لم يعد إنجاب طفل جديد في قطاع غزة قرارًا عاديًا كما كان في السابق، بل أصبح خطوة محفوفة بالقلق والمخاطر في ظل واقع صحي وإنساني غير مسبوق.

فمع استمرار تداعيات الحرب الصهيونية، تشير تقارير طبية وحقوقية إلى انخفاض ملحوظ في معدلات الولادة، نتيجة تدمير البنية الصحية، وسوء التغذية، والنزوح الواسع، والضغط النفسي الذي تعيشه النساء في القطاع.

ووفق تقديرات طبية وتقارير حقوقية حديثة، تراجعت معدلات الولادة في قطاع غزة بنحو 41% خلال فترة الحرب، وهو انخفاض حاد يعكس حجم التأثير الذي تركته الحرب في الصحة الإنجابية للفلسطينيين.

تدمير المنظومة الصحية

يقول الطبيب ياسر العقاد، أخصائي أمراض النساء والولادة إن الانخفاض في عدد المواليد يرتبط بشكل مباشر بتدهور خدمات الرعاية الصحية، خصوصًا تلك المتعلقة بمتابعة الحمل وصحة الأم.

وأوضح العقاد أن العديد من المستشفيات والمراكز الطبية التي كانت تقدم خدمات نسائية وتوليد تعرضت للقصف أو خرجت عن الخدمة، ما أدى إلى تراجع القدرة على متابعة حالات الحمل أو التعامل مع المضاعفات الصحية المرتبطة به.

وأضاف أن الطواقم الطبية ما زالت تستقبل يوميًا أعدادًا كبيرة من الحالات المرتبطة بالحمل المهدد أو الإجهاض أو الولادات التي يعاني فيها الأطفال من مشاكل صحية مختلفة.

وأشار إلى أن سوء التغذية الحاد، والضغط النفسي المستمر، وانتشار الأمراض في بيئات النزوح، كلها عوامل ساهمت في تدهور صحة النساء الحوامل وزيادة المخاطر المرتبطة بالحمل.

ارتفاع الإجهاض والولادات المبكرة

وتعكس البيانات الصحية حجم الأزمة المتفاقمة في قطاع غزة، حيث تشير تقارير طبية إلى تسجيل آلاف حالات الإجهاض والولادات المبكرة خلال الأشهر الماضية.

كما وثقت المؤسسات الصحية ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الأطفال الذين يولدون بوزن منخفض أو يحتاجون إلى رعاية مكثفة داخل الحضّانات، في وقت تعاني فيه المستشفيات العاملة من نقص حاد في المعدات والأدوية والكوادر الطبية.

ويؤكد العقاد أن الواقع الصحي للنساء بعد الحرب تغير بشكل كبير مقارنة بما كان عليه قبلها، موضحًا أن كثيرًا من النساء يعانين من نقص الفيتامينات وفقر الدم واضطرابات هرمونية قد تؤثر بشكل مباشر على استقرار الحمل.

وأضاف أن بعض الحالات تعاني كذلك من التهابات حادة ومشكلات في الرحم، إلى جانب آثار الضغط النفسي الذي يرافق تجربة الحرب والنزوح وفقدان أفراد من العائلة.

أمهات في مواجهة الخطر

إلى جانب التدهور الصحي، تواجه النساء الحوامل في غزة ظروفًا معيشية قاسية تزيد من تعقيد تجربة الحمل والولادة.

وتشير تقديرات صادرة عن منظمات أممية إلى أن عشرات آلاف النساء الحوامل والمرضعات اضطررن إلى النزوح خلال الحرب، في وقت يعاني فيه القطاع من نقص شديد في الغذاء والدواء.

كما تشير تقارير إنسانية إلى أن نسبة كبيرة من حالات الحمل في غزة باتت تُصنَّف ضمن الحمل عالي الخطورة، نتيجة سوء التغذية والإجهاد البدني والنفسي وغياب المتابعة الطبية المنتظمة.

وفي كثير من الأحيان تضطر النساء إلى الولادة في ظروف صعبة داخل المستشفيات المكتظة أو حتى في مراكز الإيواء والخيام، ما يزيد من احتمالات حدوث مضاعفات صحية للأم والطفل.

الحياة في الخيام

وتفرض حياة النزوح تحديات إضافية على النساء الحوامل، خصوصًا في ظل العيش داخل الخيام أو مراكز الإيواء المكتظة.

فالخيام غالبًا ما تفتقر إلى التهوية المناسبة أو المياه النظيفة، كما تنتشر فيها الحشرات والأمراض، ما يجعل البيئة المحيطة غير ملائمة لرعاية الأم أو الطفل حديث الولادة.

وتشير عاملات في المجال الإغاثي إلى أن كثيرًا من العائلات باتت تتردد في التفكير بإنجاب طفل جديد في ظل هذه الظروف، خاصة مع تراجع القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية.

كما يلعب الوضع الاقتصادي دورًا مهمًا في هذا التراجع، حيث ارتفعت معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق، ما جعل تأمين الغذاء والدواء تحديًا يوميًا لكثير من الأسر.

آثار ديموجرافية محتملة

ويرى مختصون أن استمرار هذه الظروف قد يترك آثارًا ديموجرافية بعيدة المدى على المجتمع في قطاع غزة.

فإلى جانب ارتفاع أعداد الضحايا خلال الحرب، يساهم تراجع معدلات الولادة وارتفاع الإجهاض والولادات المبكرة في إحداث تغييرات عميقة في التركيبة السكانية مستقبلاً.

ويحذر خبراء من أن تدمير منظومة الرعاية الصحية الإنجابية، واستمرار الأزمة الإنسانية، قد يؤديان إلى تفاقم هذه المؤشرات في السنوات المقبلة ما لم تُتخذ خطوات عاجلة لإعادة بناء القطاع الصحي وتوفير الدعم اللازم للنساء والأطفال.