أعلنت وزيرة الشئون الاجتماعية والعمل في الحكومة السورية، هند قبوات، اليوم الأحد، أن عدداً من أطفال ذوي المعتقلين والمغيبين قسراً خلال حقبة نظام بشار الأسد، تأكد وصولهم إلى ذويهم، موضحة عبر حسابها على "فيسبوك"، أن عدد الأطفال العائدين إلى ذويهم 200 طفل وطفلة، بينهم 110 كانوا ضمن قرى الأطفال (SOS)، و90 طفلاً آخرين كانوا ضمن دور رعاية أخرى. ويعد ملف لم شمل الأطفال مع ذويهم، واحداً من الملفات التي برزت بعد سقوط نظام الأسد.

ووفقاً لبيانات الوزارة، أودع 314 طفلاً في دور رعاية تابعة لها، أعيد منهم 194 طفلاً إلى ذويهم، مع استمرار العمل على عدد كبير من الملفات التي لا تزال قيد التدقيق والمتابعة. كما أكدت الوزيرة في إبريل الماضي عبر قناتها على تليغرام أن العمل جار للتحقق من عدم وجود حالات احتجاز بين هؤلاء الأطفال. كما لفتت إلى أن التحقيقات أُنجزت في ملفات الأعوام بين 2011 و2015، مع استمرار العمل على بقية السنوات.

ويعد ملف أطفال ذوي المعتقلين والمغيبين قسراً من الملفات ذات الحساسية العالية، الأمر الذي يتطلب خطوط عمل واضحة للكشف عن مصيرهم، حيث أشار مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى سلسلة من التوصيات التي تتعلق بعمليات بحث دقيقة وذات فاعلية عالية، مبيناً أن أولى هذه الخطوات تعتمد على بناء قاعدة بيانات مركزية وموحدة. وتتمثل المشكلة في التشتت المعلوماتي، إذ تتوزع البيانات بين الهيئة الوطنية للمفقودين، ووزارة الشؤون الاجتماعية، والمنظمات المدنية مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان وغيرها، من دون آلية تنسيقية تضمن توظيف هذه البيانات فعلياً في عمليات البحث. لذلك، لا بد من إنشاء قاعدة بيانات مركزية مشفرة وآمنة تستوعب المعلومات المتاحة، بما في ذلك سجلات الأفراد مجهولي الهوية.

أما الخطوة الثانية التي أشار إليها عبد الغني، فهي توسيع نطاق البحث ليشمل مؤسسات خارج الوزارة. إذ اعترفت منظمة قرى الأطفال (SOS) بأنها استقبلت 139 طفلاً من دون وثائق رسمية بين عامي 2014 و2019. وهذا يعني أن الملف يتجاوز دور الرعاية الحكومية ليطاول مؤسسات شبه حكومية وأخرى ذات طابع دولي. وعليه، لا بد من إصدار تفويض بحثي رسمي يمتد ليشمل جميع هذه الجهات. لافتاً إلى أهمية الخطوة الثالثة التي تكمن في التعاون مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة  في يونيو 2023، وهي تمتلك خبرة تقنية وقانونية لا يمكن الاستغناء عنها في تعقب الحالات عبر الحدود والتعامل مع قواعد البيانات الدولية. لذلك، لا يعد التنسيق معها خياراً، بل ضرورة منهجية.

وفي ما يخص الأهمية القانونية والإنسانية لملف الأطفال في دور الأيتام، قال عبد الغني إنه يتجاوز كونه قضية إنسانية، ليكشف عن بنية جريمة ممنهجة ومؤسسية. وقال: "الأدلة المتوفرة تشير إلى أن إيداع الأطفال في دور الرعاية لم يكن إجراء حمائياً انتهجته الدولة الأسدية في زمن الحرب، بل آلية ممنهجة شاركت فيها أجهزة الأمن، ووزارة الشئون الاجتماعية، وجهات مقربة من رأس النظام، مثل الأمانة السورية للتنمية التي كانت تديرها أسماء الأسد". وتكشف الأدلة التي وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وفق عبد الغني، وغيرها عن نقل أطفال من دون وثائق عبر مطار دمشق الدولي، في رحلات غير مصرح بها بين عامي 2016 و2018، يرجح أنها كانت لأغراض التبني غير القانوني أو الاستغلال خارج البلاد. وعند قراءة هذا النمط في سياق تغيير الأنساب والهويات وإتلاف الوثائق، فإنه يستوفي عناصر جريمة الاتجار بالأطفال بموجب بروتوكول باليرمو، بل عناصر الجرائم ضد الإنسانية من حيث الإخفاء القسري المنهجي وفق نظام روما الأساسي.

وكانت  رئيسة لجنة التحقيق في مصير أبناء المعتقلين والمغيبين قسراً في سورية، رغداء زيدان أوضحت لـ"العربي الجديد" أن عمل اللجنة ينفذ عبر محاور عدة تشمل جمع المعلومات والوثائق، وإعداد استمارة خاصة لتسجيل بيانات ذوي الأطفال، وتشكيل فريق تطوعي لمتابعة سجلات الأطفال الذين أُعيدوا إلى عائلاتهم، فضلاً عن جمع معلومات عن دور الرعاية بين عامي 2011 و2024، وتخصيص خطين ساخنين للتواصل مع الأهالي.

وتأسست لجنة التحقيق في مصير أبناء المعتقلين والمغيبين قسراً في سورية بموجب القرار رقم 1806 لعام 2025، الصادر عن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، حيث تضم اللجنة ممثلين عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والداخلية، والعدل، والأوقاف، إلى جانب ممثلين عن منظمات المجتمع المدني، وتعمل اللجنة على متابعة 612 طفلاً أُلحقوا بعائلات غير عائلاتهم.