تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وفق تقديرات تحليلية، إلى مرحلة قد تفضي إلى إعادة رسم موازين القوى في الخليج والعالم، في ظل مخاوف من أن تنعكس نتائج الحرب بشكل غير قابل للعكس على النفوذ الأمريكي.

أكدت صحيفة "ذا أتلانتيك" الأمريكية أن المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران قد تدخل مرحلة تعتبرها "هزيمة استراتيجية" لواشنطن، يصعب عكسها أو احتواء تداعياتها، مشيرة إلى أن أي نتائج عسكرية أو سياسية قد تترتب على هذا الصراع لن تكون قابلة لإعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً، سواء في الخليج أو على مستوى موازين القوى العالمية.

وأشارت الصحيفة، في مقال للكاتب روبرت كاجان، إلى أن الولايات المتحدة لم تواجه في صراعاتها الحديثة خسارة استراتيجية بهذا العمق، موضحاً أن تجارب مثل فيتنام وأفغانستان والعراق، رغم كلفتها العالية، لم تُحدث انهياراً دائماً في مكانة واشنطن الدولية، إلا أن الوضع الحالي مع إيران يحمل طابعاً مختلفاً قد يغير شكل النفوذ الأمريكي عالمياً.

وتابع الكاتب أن أي "هزيمة" أمريكية في هذه المواجهة لن تكون مؤقتة أو قابلة للتدارك، بل ستؤدي إلى تحول جذري في توازن القوى، خاصة مع بروز إيران كلاعب رئيسي في منطقة الخليج، وتعزيز دور حلفائها مثل الصين وروسيا، مقابل تراجع واضح في النفوذ الأمريكي، وفق تعبيره.

ولفتت الصحيفة إلى أن الكاتب أشار إلى أن العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران على مدار 37 يوماً، برغم ما خلفته من خسائر كبيرة في القيادات والبنية العسكرية الإيرانية، لم تحقق الهدف السياسي الأساسي المتمثل في إسقاط النظام أو فرض تنازلات استراتيجية.

وتابعت أن المقال أشار إلى أن محاولات واشنطن الحالية للضغط الاقتصادي، بما في ذلك حصار الموانئ الإيرانية، قد لا تكون كافية لإحداث انهيار داخلي، خاصة أن النظام الإيراني، بحسب الكاتب، أثبت قدرته على تحمل الضغوط العسكرية والاقتصادية دون تقديم تنازلات جوهرية.

وذكرت الصحيفة أن الكاتب حذر من أن أي تصعيد عسكري إضافي قد يدفع إيران إلى استهداف البنية التحتية للطاقة في دول الخليج، ما قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية تمتد آثارها لسنوات، في ظل ارتفاع أسعار النفط وتراجع الاستقرار في الأسواق الدولية.

وأشارت إلى أن المقال نقل عن خبراء في الشأن الإيراني أن النظام في طهران قد يخرج من المواجهة أكثر قوة، حتى في حال تضرر بعض قدراته العسكرية، وذلك بفضل احتفاظه بأوراق ضغط استراتيجية أبرزها التحكم في حركة الطاقة عبر مضيق هرمز.

وتابعت أن الكاتب اعتبر أن بقاء إيران في موقع السيطرة على المضيق سيمنحها قدرة غير مسبوقة على التأثير في الاقتصاد العالمي، من خلال التحكم في تدفق النفط وفرض شروط سياسية واقتصادية على الدول المستوردة للطاقة من الخليج.

ولفتت الصحيفة إلى أن المقال حذر من أن هذا الوضع قد يفرض على دول الخليج ودول أخرى إعادة ترتيب علاقاتها مع طهران، في ظل تراجع القدرة الأمريكية على ضمان حرية الملاحة بشكل كامل، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في التحالفات الإقليمية والدولية.

وأضافت أن الكاتب أشار إلى أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام سباق تسلح بحري عالمي جديد، مع سعي دول كبرى إلى بناء قدرات مستقلة لضمان أمن خطوط الطاقة، في ظل تراجع الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن وحيد للاستقرار البحري.

وأوضحت الصحيفة أن المقال ربط بين التطورات في الخليج وبين انعكاساتها العالمية، مشيراً إلى أن أي ضعف في الموقف الأمريكي قد ينعكس على ملفات أخرى مثل تايوان وأوكرانيا، عبر تشجيع قوى دولية منافسة على اختبار حدود النفوذ الأمريكي.

وتابعت أن الكاتب ختم تحليله بالإشارة إلى أن العالم يتجه تدريجياً نحو مرحلة "ما بعد الهيمنة الأمريكية"، وأن التحولات الجارية في الخليج تمثل، وفق وصفه، بداية سلسلة أوسع من التغيرات في النظام الدولي القائم.

وختمت الصحيفة بالإشارة إلى أن المقال اعتبر أن ما يجري في المواجهة مع إيران لا يتعلق فقط بصراع إقليمي، بل بإعادة تشكيل شاملة لموازين القوى العالمية خلال السنوات المقبلة.