أدانت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا قرار وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إنهاء خدمات 70 موظفا في قطاع غزة بصورة فورية، معتبرة أن الإجراء استند إلى ادعاءات صهيونية غير مدعومة بأدلة، ويشكل "انتهاكا صارخا" للقانون الدولي ولحقوق العاملين المكفولة بموجب المعايير الأممية.

وقالت المنظمة، في بيان إن القرار الذي أصدره المفوض العام بالإنابة للأونروا كريستيان سوندرز في 11 يونيو الجاري، جاء رغم إقرار الوكالة نفسها بأنها لم تتلق أي أدلة من سلطات الاحتلال الصهيوني تثبت الاتهامات الموجهة إلى الموظفين، على الرغم من طلبها المتكرر الحصول على معلومات تدعم تلك المزاعم.

وأكدت المنظمة أن الوكالة أوضحت في بيانها أن قرار الفصل لا يمثل إجراء تأديبيا ولا يعد دليلا على صحة الاتهامات، إلا أن نتائجه العملية تتمثل في حرمان عشرات الموظفين من مصدر دخلهم الوحيد في وقت يواجه فيه قطاع غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة.

وحذرت من أن القرار يضع نحو 70 أسرة فلسطينية أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، كما يؤسس لسابقة خطيرة تسمح باستهداف العاملين في المؤسسات الدولية بناء على "وشايات غير مثبتة" صادرة عن سلطات الاحتلال.

وأشارت المنظمة إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن ما وصفته بـ"نمط متكرر" من الاتهامات الإسرائيلية الموجهة إلى موظفي الأونروا، والتي لم تنجح التحقيقات الدولية السابقة في إثباتها.

ولفتت إلى أن تحقيق مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة عام 2024 لم يثبت الاتهامات التي وجهتها حكومة الاحتلال إلى عدد من موظفي الوكالة، كما أن محكمة العدل الدولية خلصت، وفق البيان، في أكتوبر 2025 إلى أن الاحتلال لم يقدم أدلة كافية لإثبات مزاعمها بشأن انتماء أعداد كبيرة من موظفي الأونروا إلى فصائل فلسطينية.

 

ورأت المنظمة أن اعتماد وكالة أممية على معلومات استخبارية مقدمة من حكومة احتلال متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين "يقوض مبدأ الحياد الإنساني ويهدد استقلالية المؤسسات الدولية"، معتبرة أن ذلك يحول الأونروا من هيئة أممية مكلفة بحماية اللاجئين الفلسطينيين إلى جهة تستجيب لضغوط سياسية وأمنية خارجية.

 

وأضافت أن القرار جرى اتخاذه في ظل بيئة دولية أخفقت فيها الدول الأعضاء بالأمم المتحدة في توفير الحماية السياسية والعملية للوكالة وموظفيها، مشيرة إلى أن الأونروا أقرت بأنها لا تمتلك أجهزة شرطية أو استخباراتية خاصة بها وتعتمد على تعاون الدول الأعضاء لضمان استمرار عملياتها.

 

وأكدت المنظمة أن هذا الواقع قد يفسر الضغوط التي تعرضت لها الوكالة، لكنه لا يبرر -بحسب البيان- اتخاذ قرارات تمس حقوق الموظفين ومستقبلهم المهني دون توفر أدلة قانونية كافية.

 

كما تساءلت عن جدوى ما وصفته بمحاولات استرضاء الاحتلال الصهيوني، في وقت تواصل فيه حكومة الاحتلال إجراءاتها الرامية إلى تقويض عمل الأونروا، بما في ذلك سن تشريعات تستهدف الوكالة وفرض قيود على أنشطتها واتهامها بصورة متكررة بدعم "الإرهاب".

وطالبت المنظمة المفوض العام بالإنابة للأونروا بالتراجع الفوري عن القرار وإعادة الموظفين المفصولين إلى أعمالهم مع حفظ كامل حقوقهم الوظيفية، داعية الوكالة إلى عدم اعتماد ادعاءات الاحتلال غير المثبتة أساسا لاتخاذ قرارات تؤثر على حياة العاملين فيها.

وفي ختام بيانها، حذرت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا من أن استمرار الصمت الدولي تجاه ما وصفته باستهداف الأونروا وموظفيها لم يعد موقفا محايدا، بل يشكل، بصورة غير مباشرة، تشجيعا لإسرائيل على مواصلة الضغوط الرامية إلى إضعاف المؤسسة الأممية المكلفة برعاية اللاجئين الفلسطينيين، والتي تمثل، بحسب البيان، "الشاهد الدولي على نكبة الفلسطينيين ومعاناتهم المستمرة منذ أكثر من سبعة عقود".

وتواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) منذ بداية الحرب الصهيونية على قطاع غزة حملة ضغوط سياسية ومالية غير مسبوقة، عقب اتهامات صهيونية طالت عددا من موظفيها بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر 2023. وعلى إثر تلك الاتهامات، علّقت دول غربية عدة مساهماتها المالية للوكالة، ما تسبب في أزمة تمويل حادة هددت قدرتها على مواصلة تقديم خدماتها لملايين اللاجئين الفلسطينيين.

وبرغم أن تحقيقات أممية داخلية ودولية لم تتمكن من إثبات عدد من المزاعم الصهيونية التي استهدفت موظفي الوكالة، فإن إسرائيل واصلت حملتها السياسية والإعلامية ضد الأونروا، متهمة إياها بالارتباط بفصائل فلسطينية.

وفي المقابل، تؤكد الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية أن الوكالة تظل العمود الفقري للعمل الإنساني في قطاع غزة، حيث يعتمد مئات آلاف الفلسطينيين على خدماتها الإغاثية والصحية والتعليمية.

 

وتزامنت الأزمة مع تصاعد الإجراءات الصهيونية الرامية إلى تقييد عمل الوكالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك فرض قيود على أنشطتها في القدس المحتلة، والدعوة إلى إنهاء دورها أو استبداله بآليات دولية أخرى. وترى منظمات حقوقية أن استهداف الأونروا لا ينفصل عن محاولات تقويض وضع اللاجئين الفلسطينيين وقضيتهم السياسية، باعتبار الوكالة المؤسسة الأممية الوحيدة المكلفة حصريا برعايتهم منذ تأسيسها بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949.

ويأتي قرار فصل 70 موظفا من الأونروا في غزة في وقت تشهد فيه الوكالة تحديات وجودية متصاعدة، وسط تحذيرات أممية متكررة من أن أي إضعاف إضافي لدورها سيؤثر مباشرة على ملايين الفلسطينيين الذين يعتمدون على خدماتها، ولا سيما في قطاع غزة الذي يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه.