أربعة عشر شهراً قضاها الصحفي مجاهد بني مفلح في سجون الاحتلال الصهيوني، كانت رحلة مديدة في قلب الظلام، خرج منها وفي رأسه نزيف، وفي جسده آثار ضرب متراكمة، وفي روحه جمرٌ لا يبرد. وما إن وطأت قدماه أرض الحرية حتى وجد نفسه في سباق مع الموت على طاولة العمليات، في مشهد يلخّص بمرارة ما يعيشه الأسرى خلف أسوار سجون الاحتلال.
في فجر الثامن والعشرين من يونيو 2025، اقتحمت قوة صهيونية كبيرة منزلَ الصحفي مجاهد محمد بني مفلح (37 عاماً) في بلدة بيتا جنوبي نابلس، دون طرق باب أو إنذار مسبق.
وصفت زوجته نهى الشرفا اللحظة بقولها إنهم وجدوا الجنود داخل المنزل فجأة، مضيفة أن الجنود اعتدوا على زوجها بالضرب، وحطّموا مكتبه الشخصي، وصادروا حاسوبه، ثم سيق مكبَّل الأيدي إلى مركز توقيف “حوارة” العسكري.
لم يكن ذلك اعتقاله الأول؛ فقد سبق أن اعتقلته قوات الاحتلال مرتين، عام 2015 ثم عام 2020، قبل أن الإفراج عنه في كلتيهما دون توجيه أي تهمة رسمية.
بعد عشرة أيام فقط على اعتقاله، حوّلته المحاكم العسكرية الإسرائيلية إلى اعتقال إداري لمدة أربعة أشهر دون توجيه أي اتهام رسمي أو محاكمة. وهو نظام يسمح باحتجاز بموجب "ملف سري" لا يطّلع عليه المعتقل ولا محاميه.
وحين انتهت المدة الأولى، أصدر الاحتلال قراراً بتمديد اعتقاله شهرين إضافيين، ثم شهرين آخرين بعد الرفض القضائي لاستئناف محاميه. وهكذا تراكمت الأشهر ثقيلةً فوق كتفيه في غياهب سجن "منشة" التابع لمعسكر "سالم" شمالي الضفة الغربية، بينما كان أطفاله الثلاثة ينتظرون عودة أبيهم وراء باب موصد.
جوع الجسد وظمأ الروح
بعد خروجه من الأسر، سكب مجاهد بني مفلح روحه في كلمات نشرها عبر صفحته، فكتب: "أيامٌ ثقيلة عشت فيها الجوع حتى صار الخبز حلماً، والعطش حتى غدت جرعة الماء نعمة، ومررت فيها بأشكال من الإذلال والتعذيب تكفي لأن تغيّر ملامح الروح قبل الجسد. هناك، بين الجدران الباردة والليالي الطويلة، تعلّمت كيف يمكن للجوع أن يكسر الكبرياء، وكيف يمكن للألم أن يجرّد الإنسان من كل شيء إلا إيمانه وصبره.”
ما وصفه مجاهد ليس مجرد حالة فردية؛ إذ وثّق موقع "الترا فلسطين" – الذي يعمل فيه محرراً – أن سياسة التجويع الممنهجة داخل سجون الاحتلال أفقدته نحو خمسة وعشرين كيلوغراماً من وزنه خلال فترة اعتقاله. فضلاً عن ذلك، تعرّض لاعتداءات جسدية عنيفة تركّزت على رأسه وظهره في جولات ضرب مكثفة، لا سيما أثناء نقله بين الزنازين، بينما كُبِّلت يداه وقدماه بقيود حديدية لساعات طويلة أفقدته الإحساس بأطرافه.
من باب السجن إلى طاولة العمليات
في الثاني عشر من يناير 2026، فُتح باب السجن أخيراً. لكن الحرية لم تدم طويلاً قبل أن يمتد ذراعا الألم إلى ما هو أبعد من الأسوار. بعد يومين فقط من الإفراج عنه، انهارت حالته الصحية فجأة؛ ظهر عليه إرهاق شديد وعجز عن المشي وضعف في الإحساس بالأطراف، فنُقل بسيارة إسعاف إلى المستشفى الاستشاري في رام الله في الساعات الأولى من الليل. أجرى الأطباء فحوصاً كاشفت عن نزيف حاد في الدماغ وارتفاع خطير في ضغط الدم، فأُدخل غرفة العمليات في ساعات الصباح الباكر.
وصف مكتب إعلام الأسرى ما جرى بـ"الإعدام المؤجَّل" أو "القتل البطيء"، مؤكداً أن الاحتلال يُفرج عن المعتقلين وقد استُنزفت أجسادهم لتبدأ مأساة جديدة خارج الأسوار. وحمّل المكتب سلطات الاحتلال المسئولية الكاملة عن كل تدهور يطرأ على صحة مجاهد. ولا يزال الصحفي يعاني حتى اليوم من عرج في قدمه جراء القيود الحديدية التي وُضعت عليه لفترات مطوّلة، فيما تواصل يداه معركتهما مع فقدان الإحساس بعد أن أضرّت القيود بالأعصاب.
193 صحفياً.. رقم يتحدث عن منظومة
قضية مجاهد بني مفلح ليست استثناءً في مشهد صحفي يتآكله الاضطهاد؛ فمنذ بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023، وثّق نادي الأسير اعتقال ما لا يقل عن 193 صحفياً فلسطينياً أو احتجازهم، ولا يزال العديد منهم خلف القضبان.
وتوجّه سلطات الاحتلال إلى غالبية الصحفيين تهمَ "التحريض" على خلفية ما ينشرون عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، فيما يحتجز آخرون بأوامر إدارية مستندة إلى "ملفات سرية" لا يمكن الطعن فيها.
أما في غزة، فإن الاحتلال يصنّف الصحفيين ضمن ما يسمّيه "المقاتلين غير الشرعيين" ليضفي شرعية زائفة على عمليات الاغتيال الممنهجة التي أودت بحياة عشرات منهم.
في خضمّ رحلة العلاج الطويلة، كتب مجاهد من أعماق معاناته: “أدركت أن النعم التي كنا نعدّها عادية كانت أثمن مما تخيّلنا: لقمة شبع، نومٌ آمن، نفسٌ بلا ألم، خطوة بلا عجز، ووجهُ حبيب تراه بلا قيود. أربعة عشر شهراً كانت كفيلة بأن تعلّمني أن الصحة تاج، وأن الحرية حياة، وأن الكرامة ليست تفصيلاً صغيراً، بل هي روح الإنسان نفسها.”
هذه الكلمات، المكتوبة بيد تحاول أن تتذكر كيف تُمسك قلماً، تختصر ما لا تستطيع تقارير حقوق الإنسان أن تنقله بالأرقام: أن ثمن الكلمة الحرة في فلسطين قد يكون أغلى مما يحتمل إنسان.