مثّل حكم الإعدام بحق رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد لحظة خاصة وفارقة في حياة القاضي فخر الدين العريان الذي ترأس الجلسة، فقبل أكثر من 13 عاماً كان قاضياً داخل مؤسسات النظام نفسه، ثم أعلن انشقاقه مع بداية الثورة، ليحكم عليه غيابياً بالإعدام مع مصادرة ممتلكاته. واليوم، يقف في موقع مقابل تماماً، قاضياً في دمشق، يترأس جلسات مسار العدالة الانتقالية، ويشرف على محاكمة شخصيات كانت جزءاً من النظام الذي انشق عنه، بينهم عاطف نجيب حضورياً، والأسد وشقيقه ماهر غيابياً.

هذه المفارقة تختصر جانباً من مسيرة الرجل، لكنها لا تستحضرها كلها. فالعريان لم يكن ناشطاً سياسياً دخل المجال القضائي بعد الثورة، بل كان قاضياً في مؤسسات الدولة قبل أن يتخذ قراره بالانشقاق، ثم أمضى سنوات الحرب في العمل على بناء مؤسسات قضائية موازية في مناطق المعارضة.

ولد فخر الدين العريان عام 1964 في بلدة سلقين بريف إدلب، وحصل على إجازة في الحقوق من جامعة حلب عام 1988. بعد تخرجه، التحق بالسلك القضائي في مؤسسات الدولة السورية، وتدرج في مناصبه إلى أن أصبح مستشارا في محكمة الاستئناف المدنية في إدلب. وكان ذلك الموقع هو الذي يشغله عندما اتخذ، في 13 مارس 2013، واحدا من أهم قرارات حياته المهنية: الانشقاق عن وزارة العدل التابعة للنظام.

ظهر العريان في تسجيل مصور معلنا قراره، وربطه بما اعتبره مسئولية القاضي في حماية العدالة والحق، وبما كان يجري في البلاد من قتل وانتهاكات، وقال في إعلان انشقاقه: "أعلن أنا القاضي فخر الدين العريان مستشار محكمة الاستئناف المدنية بإدلب انشقاقي عن وزارة العدل، وانضمامي إلى مجلس القضاء السوري المستقل". لم يكن الانشقاق بالنسبة إليه انتقالا إلى العمل السياسي، وإنما إلى مسار قضائي بديل. فقد انضم إلى مجلس القضاء السوري الحر المستقل، وتولى رئاسته حتى مايو 2014. ومنذ ذلك الوقت، أصبح جزءا من محاولة بناء جهاز قضائي خارج مؤسسات النظام في المناطق الخارجة عن سيطرته، في مرحلة كانت فيها مؤسسات الدولة السورية نفسها قد انقسمت بفعل الحرب.

ولم يتوقف نشاط العريان عند رئاسة مجلس القضاء، فقد عُين عضواً في لجنة الطعون الخاصة بانتخابات المجالس المحلية في محافظة إدلب، ثم عضواً في اللجنة الاستئنافية العليا التي كانت تنظر في الطعون المتعلقة بانتخابات المجالس المحلية. وفي مايو/أيار 2016، وبعد إعادة هيكلة المجلس وتغيير اسمه إلى "مجلس القضاء السوري"، انتُخب العريان نائباً لرئيسه. ثم اتسع دوره من القضاء إلى العمل الإداري والسياسي داخل مؤسسات المعارضة، ففي عام 2019 تولى منصب الأمين العام للحكومة السورية المؤقتة في حكومة جواد أبو حطب، قبل أن يشغل لاحقا عددا من المواقع الإدارية والقضائية في مؤسسات الحكومة المؤقتة.

وهذا المسار مهم لفهم شخصيته الحالية، إذ إن سنوات العريان خارج مؤسسات النظام لم تكن سنوات ابتعاد عن العمل العام، بل كانت امتداداً لمسيرته في القضاء والإدارة، ولكن ضمن مؤسسات المعارضة. ولم يمر انشقاق العريان من دون ثمن شخصي. فخلال وجوده خارج مناطق سيطرة النظام، صدرت بحقه أحكام غيابية، كان من بينها حكم بالإعدام، كما صودرت ممتلكاته وبيع بعضها في مزادات علنية، بحسب ما ذكره العريان.

وفي 20 إبريل 2014، تعرض لمحاولة اغتيال عندما انفجرت عبوة ناسفة قرب سيارته في السوق العمومي بمدينة سلقين، ما أسفر عن مقتل شخصين. وفي 25 يونيو 2014، قتل شقيقه عبد الحميد العريان، وهو معلم رياضيات، في غارة جوية لقوات النظام على مدينة سلقين.

بعد سقوط نظام بشار الأسد، عاد العريان إلى مؤسسات الدولة السورية، حيث عين في يناير 2026 رئيسا لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق، في إطار إعادة تشكيل السلطة القضائية في مرحلة ما بعد سقوط النظام. وفي 26 إبريل 2026، ترأس العريان أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، في القصر العدلي بدمشق. وحضر نجيب الجلسة موقوفا، فيما شملت الدعوى عددا من رموز النظام السابق، بينهم بشار الأسد وماهر الأسد، اللذان جرت محاكمتهما غيابيا.

وقبيل بدء جلسات المحاكمة في 26 إبريل، كتب مخاطبا السوريين: "لكل أمّ شهيد، ولكل أمّ معتقل، ولكل أسرة هُجّرت قسراً، ولكل صاحب بيت مدمر. إن أصواتهم حاضرة أمام القضاء وإن حقوقهم لن تُنسى". وبذلك بدا أن العريان يحاول تقديم المحاكمة باعتبارها جزءا من عملية أوسع تتعلق بضحايا سنوات الحرب. وهنا تكمن المفارقة الأكثر وضوحا في مسيرته: الرجل الذي صدر بحقه حكم بالإعدام من نظام الأسد، أصبح قاضيا على منصة القضاء التي تحاكم رأس ذلك النظام. ويأتي ظهور العريان في مقدمة المشهد القضائي في وقت تواجه فيه سورية واحدا من أصعب ملفات المرحلة الانتقالية، والمتمثل بالعدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

هذه المسألة ستشكل الاختبار الحقيقي للعريان وللمؤسسة القضائية التي يمثلها. فخلفيته باعتباره قاضياً منشقاً تمنحه سيرة شخصية مختلفة عن كثير من القضاة الذين عملوا داخل مؤسسات النظام، لكنها في الوقت نفسه تجعل استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة مسائل ستخضع للمراقبة والتدقيق.

وإذا كانت قصة العريان تحمل بعدا رمزيا قويا، فإن التحدي أمامه يتجاوز الرمزية. فالمحاكمات المرتقبة ستضع القضاء السوري أمام ملفات ضخمة تتعلق بالقتل والاعتقال والتعذيب والتهجير والإخفاء القسري وغيرها من الانتهاكات التي خلفتها سنوات الحرب. وفي هذه اللحظة، يبدو فخر الدين العريان كأنه يعبر المسافة الكاملة التي قطعتها سورية منذ عام 2011، من قاضٍ داخل مؤسسات الدولة، إلى قاضٍ منشق، ثم أحد العاملين على بناء قضاء موازٍ في مناطق المعارضة، فمسئول في الحكومة السورية المؤقتة، وأخيراً قاض في دمشق بعد سقوط النظام.