تندرج هذه القصيدة ضمن أدب السجون، وهي من إنتاج أحد المعتقلين السياسيين الذين حوّلوا تجربة القيد والمحنة إلى مساحة للتعبير عن الصبر والثبات.

وتبرز أبياتها تمسك صاحبها بمبادئه، ورفضه الانكسار أمام القسوة والظلم، مستمدًا من الإيمان والرضا قوةً تعينه على مواجهة الألم، دون تراجع أو تنازل عن قناعاته.

إِبَاءُ الصَّبْرِ

  1.  * يَا أَيَّهَا الْيَأْسُ الْمُيَمِّمُ ذَاتِي ... كَيْ يَسْتَبِيحَ سَكِينَتِي وَثَبَاتِي
  2.  * وَيُحِيلَ أَيَّامِي الَّتِي زَيَّنْتُهَا ... بِرِضَايَ سُخْطًا يَعْتَرِي كَلِمَاتِي
  3.  * وَيُحِيلَ وَجْدِي بَعْدَ تَسْلِيمِي الْقَضَا ... بُرْكَانَ هَمٍّ يُضْرِمُ الْوَيْلَاتِ
  4.  * وَيُبَدِّلَ الْبَثَّ الَّذِي أَوْدَعْتُهُ ... رَبِّي لِشَكْوَى تُنْكِرُ الرَّحَمَاتِ
  5.  * وَيُغَيِّرَ الْمَاءَ الأُجَاجَ مِنَ الرِّضَا ... مِلْحًا أُجَاجًا مَاجَ فِي قَنَوَاتِي
  6.  * يَا أَيَّهَا الْيَأْسُ وَإِنْ كُنْتَ الرَّدَى ... أَوْ نَارَ إِبْرَاهِيمَ فِي سَاحَاتِي
  7.  * أَوْ كُنْتَ هَمَّ اللَّيْلِ أَوْ دَرِكَ الشَّقَا ... سَيْفًا يُرِيقُ الدَّمَ فِي قَنَوَاتِي
  8.  * كَلَّا وَإِنْ جَهَدَ الْبَلَاءُ مُمَهِّدًا ... أَرْضًا مِنَ الأَشْوَاكِ وَالْجَمَرَاتِ
  9.  * لَنْ أَرْتَضِيَ أَلَمًا يُقَوِّضُ هِمَّتِي ... لَا لَنْ يُصِيبَ الْعَزْمَ فِي جَنَبَاتِي
  10.  * لا لنْ يَمُرَّ عَلَى الْفُؤَادِ فِإِنَّنِي ... أَوْدَعْتُهُ الرَّحْمَنَ فِي صَلَوَاتِي
  11.  * أَشْكُو إِلَيْهِ إِذَا النُّجُومُ تَنَاثَرَتْ ... فَأُزِيلَ أَثقَالًا مِنَ الزَّفَرَاتِ
  12.  * وَأَقُومُ مُنْتَصِبًا بِلَيْلٍ حَالِكٍ ... كَيْ أطْرَحَ الأَحْزَانَ وَالأَنَّاتِ
  13.  * بك استغيث ولا أُبَالِي بِالرَّدَى ... بِالْقَيْدِ وَالسَّجَّانِ وَالْجَمَرَاتِ
  14.  * مُسْتَسْلِمًا لِلَّهِ سِرِّي وَالْعَلَن ... أَشْكُو إِلَيْهِ حَوَادِثِي وَشَتَاتِي
  15.  * وَالدَّمْعُ فِي جَوْفِ الْمَآقِي هَادِرٌ ... يَمًّا مِنَ الأَشْوَاقِ وَالْعَبَرَاتِ
  16.  * تجري به فلك الأَسِيفٍ تَبَتُّلًا ... بِشِرَاعِ ذُلٍّ رِيحُهُ إِخْبَاتِي
  17.  * شَقَّتْ عُبَابَ الْبَيْنِ نَحْوَكَ تَرْتَجِي ... وَوَقُودُهَا وُدًّا عَلَا جَنَبَاتِي
  18.  * ركضا إِلَيْكَ أَمُدُّ كَفِّي رَاجِيًا ... وَجِلًا يَفُوحُ الْحُبُّ مِنْ كَلِمَاتِي
  19.  * مُسْتَنْجِدًا بِاللَّهِ إِنْ طَالَ الْبَلَا ... دَوَّى الصَّرِيخُ يَئِنُّ فِي هَمَسَاتِي
  20.  * مُسْتَصْرِخًا عِنْدَ الْحَوَادِثِ بِالَّذِي ... يُجِيبُ عِنْدَ الضُّرِّ وَالنَّكَبَاتِ
  21.  * وَيَكْشِفُ السَّوْءَاتِ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ... وَيُضَمِّدُ الأَحْزَانَ مِنْ لَوْعَاتِي
  22.  * وَيَمُدُّ أَحْبَالَ النَّجَاةِ إِذَا الْفَتَى ... عَصَفَتْ بِهِ الأَمْوَاجُ فِي الظُّلُمَاتِ
  23.  * أَشْكُو إِلَيْكَ النَّفْسَ تَجْزَعُ لِلْقَضَا ... فَاعْفُو عَنِ التَّقْصِيرِ وَالزَّلَّاتِ
  24.  * وَأَنَا الْغَرِيبُ إِلَيْكَ أَشْكُو غُرْبَتِي ... آنِسْ إِلَهِي وَحْشَتِي وَشَتَاتِي
  25.  * أَشْكُو إِلَيْهِ جَوَائِحَ الظُّلْمِ الَّذِي ... طُغْيَانُهُ قَدْ جَاوَزَ الْكَلِمَاتِ
  26.  * أَسِنًا تَوَارَى النُّورُ مِنْ ظَلْمَائِهِ ... حِقْدًا دَفِينًا بَائِسَ الْقَسَمَاتِ
  27.  * أَشْكُو إِلَيْكَ الْقَيْدَ كَبَّلَ مِعْصَمِي ... حَجَبَ الْعَطَاءَ بِغَادِرِ الطَّعَنَاتِ
  28.  * لَكِنَّنِي سَأَظَلُّ رَافِعَ رَايَتِي ... أَرْنُو إِلَى الْعَلْيَاءِ فِي سَمَوَاتِي
  29.  * مُتَرَفِّعَ الْعِرْنِينِ رُغْمَ مَكِيدِهِمْ ... رُغْمَ الأَنِينِ تُهَزُّهُمْ كَلِمَاتِي
  30.  * فِإِلَيْكَ وَحْدَكَ أَشْتَكِي بَثَّ الضَّنَى ... لَنْ أَشْتَكِي لِسِوَاكَ فِي سَجَدَاتِي
  31.  * وَإِلَيْكَ أُبْدِي أَدْمُعِي وَتَضَرُّعِي ... وَإِلَى سِوَاكَ فَعزتي وَثَبَاتِي
  32.  * لَنْ يَسْمَعُوا إِلَّا هُتَافَ كَرَامَتِي ... لَنْ يَسْمَعُوا غَوْثِي وَلَا أَنَّاتِي
  33.  * فَإِذَا الْهُمُومُ عَلَى الْكَوَاهِلِ تُثْقِلُ ... سَأُذِيبُهَا فِي رِقَّةِ الْبَسَمَاتِ
  34.  * وَالْقَلْبُ فِي بَحْرِ الرِّضَاءِ مُؤَمِّلًا ... فِي وُدِّكَ الرَّقْرَاقِ وَالنَّفَحَاتِ
  35.  * إِنَّ الرِّضَا يَكْسُو النُّفُوسَ سَكِينَةً ... فَكَأَنَّ جَمْرَهُمُو نَدَى النَّسَمَاتِ
  36.  * وَالصَّبْرُ تَاجٌ فَوْقَ رَأْسِكَ عِنْدَمَا ... قَنَعَتْ رُءُوسٌ فِي لَظَى الْعَرَصَاتِ
  37.  * وَيُثَبِّتُ الأَقْدَامَ يَوْمَ يُزِلُّهَا ... غَدْرُ الأَنَا وَتَلَوُّنُ السَّقَطَاتِ
  38.  * صَبْرِي الْعِنَادُ فَأَنْشِدُوا فِي عِزَّتِي ... شِعْرًا أَبِيًّا مَاجِدَ الْكَلِمَاتِ
  39.  * صَعْبَ الْمِيرَاس كَقِمَّةٍ خَضَعَتْ لَهَا ... أَعْنَاقُهُمْ مَشْدُوهَةَ النَّظَرَاتِ
  40.  * سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ حَمْدًا بَاهِرًا ... مُجِّدْتَ تَعْظِيمًا عَلَى صَيْحَاتِي
  41.  * فِي مِحْنَتِي مَنْ لِي سِوَاكَ تَوُدُّنِي ... تَحْنُو عَلَيَّ بِوَابِلِ الرَّحَمَاتِ
  42.  * فَيَذُوقُ قَلْبِي الصَّادِي قَطْرًا مِنْ هُدَاكَ ... فَيُحِيلُهُ رَوْضَ الْجَنَى بِفُرَاتِ
  43.  * مَنْ لِي سِوَى الرَّحْمَنِ عِنْدَ حَوَادِثِي ... وَأَنَا أَسِيرُ غَيَاهِبِ الْجَمَرَاتِ
  44.  * إِنْ حَالَتِ الْقُضْبَانُ أُمْنِيَةَ الْهُدَى ... وَالْقَيْدُ كَبَّلَ فِي الْوَرَى خُطُوَاتِي
  45.  * بَلِّغْ إِلَهَ الْكَوْنِ غَايَةَ دَعْوَتِي ... وَإِلَيْكَ شُكْرِي سَرْمَدًا بِصَلَاتِي
  46.  * بَلَّغْتَ بَيْتَكَ أُمَّةً رُغْمَ الْمَدَى ... فَهَفَتْ قُلُوبٌ مِنْ بَعِيدِ شَتَاتِي
  47.  * فَلَكَ الْمَحَامِدُ وَالْمَفَاخِرُ وَالثَّنَا ... بِخَبِيئَتِي وَالْجَهْرِ فِي لَهَجَاتِي
  48.  * وَصَلَاتِي لِلْبَدْرِ الَّذِي ضَاءَ الدُّنَا ... فَاسْتَوْقَدَتْ أَنْوَارُهُ الظُّلُمَاتِ