لا تبدو إجراءات الاحتلال الأخيرة في محيط مدينة طولكرم معزولة عن سياق أوسع يتواصل في الضفة الغربية، حيث تتداخل مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني وفرض القيود على الفلسطينيين مع إجراءات تستهدف تغيير طبيعة المكان وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وفي هذا السياق، يأتي إعلان سلطات الاحتلال الصهيوني «مقام بنات يعقوب» في ضاحية ارتاح جنوب مدينة طولكرم، والمقام على أرض وقفية، منطقة أثرية تخضع لصلاحية ما تسمى سلطة الآثار الصهيونية، ليشكل حلقة جديدة في مسار السيطرة التدريجية على الأرض الفلسطينية.

 الآثار بوابة جديدة للسيطرة على الأرض

وبحسب وزارة الأوقاف والشئون الدينية الفلسطينية، فإن خطوة الاحتلال تستهدف أرضًا وقفية، الأمر الذي دفعها إلى استنكار الإجراء والتحذير من توظيف التصنيفات الأثرية لخدمة مخططات الاستيلاء والتوسع الاستيطاني، مطالبة المؤسسات الدولية والحقوقية بالتدخل لحماية الأراضي والممتلكات الوقفية.

ولم تتوقف الإجراءات عند مقام بنات يعقوب، إذ علّقت قوات الاحتلال في اليوم ذاته منشورات في مناطق عدة جنوب وشرق طولكرم، تضمنت إعلانات عن الاستيلاء على أراضٍ وتصنيفها مناطق أثرية بذريعة وجود مواقع أثرية فيها.

وشملت الإجراءات منطقة متنزه مقام بنات يعقوب في ضاحية ارتاح، حيث اقتحمت قوات الاحتلال المكان وعلّقت منشورات تعلن الاستيلاء عليه وتصنيفه منطقة أثرية، فيما وضعت منشورات مماثلة في عزبة أبو ياسين بقرية اكتابا شرق طولكرم، تضمنت الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي بحجة وجود مواقع أثرية، إلى جانب مناطق كفا والحفاصي جنوب طولكرم.

 مخطط يتجاوز حدود طولكرم

وتأتي هذه الإجراءات في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيدًا متواصلًا في سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض السيطرة على مساحات جديدة، في مسار يطال مناطق ومواقع مختلفة تحت ذرائع وتصنيفات متعددة.

وشهد عام 2026 إجراءات صهيونية مرتبطة بمواقع أثرية وأراضٍ محيطة بها، من بينها أوامر استملاك طالت نحو 27 دونمًا في محيط موقع النبي صموئيل شمال القدس، شملت مسجدًا وموقعًا أثريًا وأراضي زراعية وطرق وصول، إلى جانب أمر آخر طال موقع هيروديون وأراضي زراعية ومرافق مجاورة له.

كما ترافقت هذه الإجراءات مع استمرار عمليات الهدم والاستيلاء والتهجير في أنحاء الضفة الغربية، بما يعزز المخاوف الفلسطينية من تحويل الإجراءات الإدارية والقانونية إلى أدوات لفرض السيطرة على الأرض وتوسيع نطاق الاستيطان.

 طولكرم في مرمى القضم المتدرج

ولا تنفصل التطورات الجديدة في محيط مقام بنات يعقوب عن إجراءات أخرى شهدتها محافظة طولكرم، في ظل استمرار القيود على حركة المواطنين والوصول إلى الأراضي، وما يرافقها من إجراءات عسكرية واستيطانية تضيق المجال أمام الفلسطينيين في المحافظة.

وتحمل خطوة تصنيف مقام بنات يعقوب وما حوله دلالة تتجاوز الموقع نفسه، إذ تأتي ضمن مسار تتقاطع فيه السيطرة على الأرض مع إعادة تعريف استخداماتها وتصنيفاتها، بما يفتح المجال أمام إجراءات لاحقة تحد من وصول أصحابها إليها وتفرض واقعًا جديدًا على الأرض.

 أرقام تعكس اتساع دائرة السيطرة والتهجير

وتكشف أحدث المعطيات الأممية حجم هذا المسار؛ فمنذ مطلع عام 2023 وحتى نهاية أغسطس 2026، شهدت 130 تجمعًا فلسطينيًا في الضفة الغربية تهجيرًا كاملًا أو جزئيًا، بينها 48 تجمعًا هُجّر سكانها بالكامل، فيما تجاوز عدد الفلسطينيين المهجّرين في هذا السياق 6,400 شخص، بينهم أكثر من 3,100 طفل.

وخلال عام 2026 وحده، بلغ عدد المهجّرين نحو 2,500 فلسطيني، بينهم أكثر من 1,200 طفل، بفعل عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول وعمليات الهدم والإخلاء.

وتضع هذه الأرقام «مقام بنات يعقوب» في سياق أوسع من إجراءات متراكمة، تتواصل معها عمليات قضم الأرض وفرض السيطرة وتغيير ملامح الجغرافيا الفلسطينية في الضفة الغربية.