- الحرس انتهك الحرم الجامعي وتحكَّم في كل شيء

- مجلس الوزراء والتعليم والداخلية رفضوا حكم القضاء مرتين

- صادق: للقضية بُعد سياسي والحكم الأخير ملزم للجميع

 

تقرير- هند محسن:

لا يزال حرس الجامعة التابع لوزارة الداخلية يثير جدلاً واسعًا، واستنكارًا كبيرًا داخل الأوساط الحقوقية والطلابية والقانونية؛ فجميع الجامعات المصرية يقبع داخل حرمها حرس الداخلية الذي يتدخل في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، وله الكلمة العليا في أغلب الأوقات، رغم أحكام القضاء بطرده وإنشاء وحدة حرس تابعة لإدارة الجامعات!!.

 

وطبقًا لما هو مقرر، فإنه يُفرض على كل كلية طاقم حرس خاص من وزارة الداخلية، يتكون حسب مساحة الكلية ونشاطاتها الطلابية ما يقرب من 10: 15 عنصرًا، بدايةً من قائد الحرس برتبة "عقيد"، ومعه "مقدم" شرطة و"رائدان" شرطة، و"أمينا" شرطة، ومن 4: 9 عساكر، فضلاً عن الوجود المفروض لعناصر أمن الدولة بكل الجامعات؛ لدرجة وجود مكاتب لهؤلاء الضباط، تجاور مكاتب العمداء ورؤساء الجامعة، كما هو الحال بجامعة القاهرة، فضلاً عن الحرس المدني التابع لإدارة الجامعة، كما تدعي الإدارة!!.

 

ويمتلك كل عنصر من عناصر أمن الداخلية من الهِراوات وعِصي الشرطة السوداء الغليظة ما يكفي لقتال جيش كامل، هذا غير استحداث أسلحة جديدة من مرافق الكلية لمحاربة الطلاب بها.

 

كل هذا لا يمنع أيضًا عشرات العربات من الأمن المركزي أمام الكليات وخلفها طوال الفترة الدراسية، وكأنها تحيط معسكرًا للجيش، وليس كلية لإحدى الجامعات!.

 

تدخل واضح

وتتدخل وحدة حرس الجامعة التابعة لوزارة الداخلية في شئون الجامعة ككل؛ حتى وصل الأمر بها إلى تعيين رئيس الجامعة ووكلائه، كما تتدخل في انتخابات اتحاد الطلاب وتزورها؛ لتكون النتيجة فوز اتحاد الطلاب التابع لها وللحزب الحاكم.

 

وتُعد انتهاكات حقوق الطلاب- وعلى رأسهم طلاب الإخوان المسلمين- من أهم أعمال وحدة الحرس، فلم يسلم طلاب الإخوان من الاعتداءات اللفظية والجسدية وتخريب أنشطتهم وحبسهم في الجامعات، ووصل الأمر بحرس الجامعة إلى تحويلهم لمجالس تأديبية ومن ثَم فصلهم.

 

اعتداءات

فمنذ اليوم الأول من العام الدراسي الجاري زادت الاعتداءات على الطلاب والطالبات على السواء، ففي الأول من نوفمبر الجاري اعترف قائد حرس كلية الآداب بجامعة دمنهور التابعة لجامعة الإسكندرية أنه بيده فصل طلاب الإخوان وليس إدارة الجامعة، قائلاً لأحد الطلاب عندما أصرَّ على رؤية قرار فصله من إدارة الجامعة: "أنا اللي في إيدي الفصل مش عميد الكلية"!!.

 

وتطورت الاعتداءات مؤخرًا بأن طالت طالبات الإخوان، ففي الثاني من نوفمبر فُوجئت إحدى الطالبات (بجامعة الأزهر بالزقازيق) أثناء دخولها الكلية باعتراض أمل هلال الموظفة بشئون الطلاب لها، مطالبةً إياها بتفتيش حقيبتها؛ الأمر الذي رفضته الطالبة بشدة لتقوم بعدها الموظفة بضربها، وتمزيق حجابها، وسط سباب من حرس الكلية للطالبة!!.

 

وكان المنعطف الخطير والأخير من الاعتداءات في 7 نوفمبر الجاري، والذي كان من نصيب الطالب عبد الله الفخراني (كلية الطب)، عندما اعتدى عليه بوحشية (هاني) ضابط أمن الدولة، أثناء إحدى المحاضرات وأمام الطلاب والدكتورة التي تحاضرهم بالضرب المبرح، فكال له اللكمات في وجهه وفمه، وأسفر عن ذلك نزيف شديد من شفتيه وجبهته، قائلاً له: "أنا الكل في الكل هنا، ولما أقولك تبطل اللي بتعمله مع الطلاب تبقى تسمع الكلام، عشان المرة الجاية ما تروحش المستشفى"!!.

 

دعوى

 الصورة غير متاحة

د. عبد الجليل مصطفى

وعلى الرغم من هذه الانتهاكات والممارسات إلا أن عددًا من أساتذة جامعة القاهرة وعلى رأسهم الدكتور عبد الجليل مصطفى أستاذ الطب بالقصر العيني والقيادي بحركة "9 مارس"؛ أقاموا طعنًا أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة بإلغاء قرار وزارة الداخلية بإنشاء وحدة الحرس الجامعي داخل جامعة القاهرة، وصدر الحكم برئاسة المستشار محمد عطية في 25 نوفمبر 2008م لصالحهم بطرد وحدة الحرس، وإلزام الجامعة بإنشاء إدارة أمنية مدنية تكون تابعةً لإدارة الجامعة مباشرةً، وليس لوزارة الداخلية؛ وهو الأمر الذي لم تنفذه الوزارة، وقامت رئاسة مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي وزارة الداخلية ورئيس الجامعة بالطعن على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا التي قضت برئاسة المستشار إبراهيم الصغير في 2 فبراير الماضي بوقف تنفيذ الحكم بطرد حرس الجامعة؛ مما كان مُخيبًا للآمال ومَثَّلَ صدمة كبيرة للرأي العام وعلى رأسهم أساتذة وطلاب الجامعات!!.

 

مرة أخرى

واستدعى الأمر من جديد أساتذة جامعة القاهرة لإقامة طعن جديد بمحاور جديدة ومغايرة، فجاء الطعن بإلغاء القرار السلبي بامتناع الجهة الإدارية عن إنشاء وحدةٍ للأمن الجامعي تابعةً لإدارة جامعة القاهرة وليست تابعة لوزارة الداخلية، وجاء الحكم برئاسة المستشار محمد عطية أيضًا، وفي 16 يونيو الماضي بإلزام الجهة الإدارية بإنشاء وحدة الحرس التابعة للجامعة؛ ليرفع المعنويات من جديد، ويجدِّد روح الأمل لدى الرأي العام، ويزيد إيمانه في قضائه العادل.

 

حيثيات

 الصورة غير متاحة
وعرض القضاء حيثيات قراره التي قال فيها: "إن استقلال الجامعات هو أحد الحقوق القانونية التي تكفلها الدولة، والتي ارتقى بها الدستور المصري الصادر عام 1971م؛ ليحقق إنسانية المواطن وكرامته، وإسهامًا في تنمية المجتمع، كما أنه أمرٌ أوجبته المادة (317) من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات؛ والتي أقرَّت على إنشاء وحدة للأمن الجامعي في كل جامعة، وأناط بهذه الوحدة حماية منشآت الجامعة وأمنها، وجعل مسئولية تبعيتها لرئيس الجامعة مباشرةً، كما أوجبت اللائحة أيضًا أن يكون لأفراد الأمن التابعين لهذه الوحدة زيُّها الذي يحمل شعار الجامعة؛ تعزيزًا لمفهوم استقلال الجامعات، والذي يعني أنْ تدير هذه الجامعات شئونها بنفسها، وأنْ تكون لها إدارتها ووحدتها الخاصة للأمن، تتلقى الأوامر منها".

 

وتابعت الحيثيات: "إنه لا يجوز فرض أية قيود على ممارسة الجامعة لشئونها الخاصة تحت أي مسمى؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى الانتقاص من استقلال الجامعات المنصوص عليه في المادة (18) من الدستور، ولا ريب أنَّ عدم إجابة الجهة الإدارية لطلب المدعين بتطبيق اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات، يشكِّل قرارًا سلبيًّا بالامتناع عن إعمال المادة (317) من اللائحة بإنشاء وحدة للأمن تكون تابعةً لإدارة الجامعة، وليس لوزارة الداخلية؛ حتى يكون للجامعة أمنٌ مستقلٌّ بذاته "يصون ولا يجور، يحمي ولا يهدِّد مستقبل العملية التعليمية في مصر".

 

طعن آخر

وعلى الرغم من كل هذه الحيثيات، امتنع كل من رئاسة مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي ووزارة الداخلية ورئيس جامعة القاهرة عن تنفيذ الحكم كما عودونا دائمًا، مماطلين في التنفيذ بتعمد، ومستمرين في إدارة الجامعة بذات الحرس بتعسف؛ مما جعل أساتذة الجامعة يتقدَّمون بإنذار لرئيس الجامعة لتنفيذ حكم القضاء الإداري واجب النفاذ، ومهددين بتوجيه جنحة مباشرة له يُعاقَب على إثرها بالعزل من منصبه إذا امتنع عن التنفيذ، فقامت الجهة الإدارية بالطعن ضد هذا الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا التي لم تفصل فيه حتى اليوم.

 

وعلى الرغم من أن الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بتاريخ 16 يونيو الماضي واجب النفاذ، طبقًا للمادة 72 من الدستور، والتي تنص على: "تُصدر الأحكام وتُنفذ باسم الشعب، ويكون الامتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها من جانب الموظفين العموميين المختصين؛ جريمة يعاقب عليها القانون، وللمحكوم لهم في هذه الحالة حق رفع الدعوى الجنائية مباشرة إلى المحكمة المختصة"، إلا أن شيئًا لم يتغير حتى الآن، فحكم القضاء يقبع في أدراج مجلس الدولة، وحرس الداخلية يقبع في حرم الجامعة، وكأن شيئًا لم يكن!.

 

بعد سياسي

 الصورة غير متاحة

 د. صلاح صادق

من جانبه، شدَّد الدكتور صلاح صادق أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق جامعة الزقازيق ومحامي أساتذة جامعة القاهرة في طعنهم لطرد حرس الداخلية؛ إلى أن الأمن التابع لوزارة الداخلية ينتهك كل مقدسات الجامعة، ويسيطر على كل مناحي الحياة الجامعية، من تعيينات للأساتذة، وانتخابات اتحاد الطلاب، بل ويشجع طلاب الحزب الوطني بالفوز فيها بأية طريقة أو وسيلة، على الرغم من أنه من المفترض ألا يتدخل في شئونهم أبدًا!.

 

وقال صادق في تصريح خاص لـ(إخوان أون لاين): إن حرس الداخلية بالجامعات لا فائدة له؛ لأن اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات تلزم أن تكون وحدة الحرس من داخل الجامعة وتابعة إدارتها خاضعة لأوامر رئيسها وتوجيهاته فقط، ذات ميزانية محددة من قِبل الجامعة، ولا دخل لوزارة الداخلية بها، وهذا ينافي الواقع الموجود حاليًّا، وبالتالي يخالف قانون تنظيم الجامعات!.

 

وأضاف صادق أن القضية الآن أمام المحكمة الإدارية العليا آخر محطاتها القانونية، مشيرًا إلى أن هناك طعنًا سيُنظر أمام الدائرة (الأولى فحص طعون) في 16 نوفمبر الجاري، وهي الدائرة المبدئية التي تنظر الطعن، وترى إن كان جائزًا قانونًا أو لا؟، وهناك طعن آخر سيُنظر أمام الدائرة (الأولى موضوع)، والتي ستفصل فيه بشكل نهائي.

 

وأعرب صادق عن أمله في أن تصدر الأحكام لصالحهم، مشددًا على أنها بمجرد صدورها ستكون مُلزمة للحكومة وعليها التنفيذ، فإن امتنعت- وهذا وارد قطعًا-، أصبحت القضية ذات بُعد سياسي بحت، وانتفى البُعد القانوني في أن الدولة لا تنفِّذ أحكام القضاء وأعلى سلطة قضائية في مجلس الدولة، وتنتهك الدستور والقانون!!.