الصورة غير متاحة

 م. محمد كمال

حين طالعنا الإعلامي الكبير الأستاذ حمدي قنديل بمقالة في جريدة (الشروق)، والذي حذِّر فيها الإخوان من أن يكونوا مجرد ديكور، إذا لم يقاطعوا الانتخابات، بعدها تتالت مقالات مثقفين نحترمهم تدعو الإخوان إلى المقاطعة، وتفاوتت طرائق الكتابة والنصح، فالأستاذ علاء الأسواني منح الإخوان الدرجة الكاملة في مناصرة قضايا الأمة (الخارجية)، ثم أعطاها صفرًا في مقاومة الاستبداد، وسنعود في مقال لاحق إلى مناقشة هذا التقرير المجافي للواقع الإخواني والتاريخي، فيما بعد إن شاء الله، ثم كتب الأستاذ فهمي هويدي يناصر المقاطعة في مقالته التي خصصنا مقالاً سابقًا لمناقشتها، وبجوار الأساتذة الأجلاء كانت مجموعة قد أصدرت بيانًا تدعو فيه الجماعة إلى المقاطعة، وبعد أن ناقشنا في مقالات سابقة (آراء) المعارضين لخوض الانتخابات، فاليوم نحب أن نناقش (مواقفهم).

 

"حتمية التزوير" هو محور مفصلي، بنى كل المعارضين رؤيتهم على أساسه، وهو ما نتوقف معه في مقالنا..

 

أستحضر مشهدًا في انتخابات 2000م، حين داهمت جحافل أمن الدولة بيوت الإخوان،  واعتقلت منهم الآلاف، وعثرت على أوراق تخص إدارة الانتخابات، ومن ضمنها (ورقة الأهداف المرجوة من خوض الإخوان المعركة الانتخابية)، وكانت أحد عشر هدفًا، وكان الهدف الحادي عشر هو فوز المرشحين، فنظر ضابط أمن الدولة الكبير في الورقة، وقال للأخ المعتقل: الأهداف العشرة الأولى نجحتم فيها رغمًا عنا، أما الهدف الحادي عشر فعلى جثثنا!! (وهذا مرجع مهم في فهم "كيف يفكر الإخوان؟").

 

فالنتائج السياسية مهمة، ولكنها- لا سيما في ظل انسداد سياسي- لا يمكن أن تكون هدفًا وحيدًا، فالالتقاء بالجماهير، واستمرار غرس قيم المشروع الإسلامي، ومحاربة التغريب والصهاينة، ومواجهة تيار الانحلال، والتصدِّي إلى العلمانية المخاصمة للدين، والتواصل والتنسيق مع القوي السياسية والفئوية، والتأكيد على مواقف جذرية، كاحترام المرأة، والمساواة التامة بين أبناء الوطن في كل الحقوق والواجبات، دون النظر إلى دين أو جنس أو لون.. كل هذه- وغيرها- أهداف أصيلة، ونحتاج في تحقيقها إلى أوقات طويلة، وتراكم زمني، وإثبات وراء إثبات للكافة، أن الإخوان جديرون أن يحملوا مع الأمة أمانة نهضتها من كبوتها.

 

لذا.. فالإخوان "يعلنونها" في كل انتخابات، وبكامل الصدق مع النفس، أن الفوز بالمقاعد في مجلس الشعب هدف مهم.. ولكنه ليس هدفًا وحيدًا.

 

ومع هذا فقد يتبادر إلى الأذهان سؤال:

هل الإخوان واعون لما حدث من (انقلاب) دستورى في تعديلات 2007م؟

هل الإخوان مدركون خطورة تفصيل القوانين وإلغاء إشراف القضاء؟

هل الإخوان يخوضون الانتخابات وهم يتوقعون (نزاهتها)؟

 

كل هذه الأسئلة هي سؤال واحد:

هل الإخوان أصحاب رؤية وتقدير.. أم أهل عناد وتصلُّب؟

فالجماعة لا تعي خطورة الانقلاب الدستوري على الأمة فحسب، بل تعلم أنها أي (الجماعة) هي أول المستهدفين بما أضيف من مواد مكبلة للحريات والممارسات السياسية،
وتعلم أن إلغاء الإشراف القضائي مقصود به التحكم في العملية الانتخابية برمتها، كما هو مقصود به عدم وجود حصن أمن للشعب، يتمثَّل في القضاة، وخاصة بعد ظهور تيار الاستقلال.

 

وتعلم الجماعة أن أجراس التزوير بدأت تدق بإغلاق فضائيات، وتكميم صحفيين، وإهدار دم صحيفة وطنية كبرى، ومع كل هذا بدأت اعتقالات الإخوان والبطش برجالها ومقدراتها.

 

الإخوان إذًا يدركون الأجواء المعتمة التي يخوضون فيها المعركة، وتعلم الجماعة- بكل حزم- أن التزوير ليس قاصرًا على انتخابات 2010م فقط، بل هو المؤسس لأركان هذا النظام كله، ولا إمكانية لهذا النظام أن يستمر يومًا واحدًا جاثمًا على أنفاس الوطن بغير تزوير ثم تزوير..!.

 

وإذا كان بعض مثقفينا يكتبون عن تزوير سمعوا عنه ويتوقعونه، فالإخوان قد عاشوه عيانًا، وكابدوا أحداثه وآلامه، ولم يشعروا رغم هذا أن جهودهم قد ضاعت سدى، ولم يصدموا، أو يتراجعوا، أو ييأسوا؛ ذلك لأنهم واقعيون مع أنفسهم، فهم لا يتصورون أن النظام سيصبح ذات يوم يغسل يديه ويتطهر، ويصلي الصبح، ويدعو بسيد الاستغفار، ثم يظهر على مواطنيه، ويعلن: "أن مصر ستتحول إلى بلد ديمقراطي".

 

لقد كنا في انتخابات المحليات عام 92م نطوف على لجان (أبيس– محرم بك) وكانت مساحة ورقة التصويت تساوي مساحة الصندوق كله، وذهبنا إلى لجنة النساء التي بها 520 صوتًا نسائيًّا من حقهن التصويت، ولم تأت سيدة واحدة، وعند الفرز فُتحت الصناديق، فإذا بهذا الصندوق قد تم (فرش) 520 ورقة تصويت بكامل مساحته، بعضها فوق بعض بدون تطبيق، وطبعًا كانت كلها لصالح مرشح الوطني علي مهاود (الذي سجن لاحقًا 5 سنوات في جريمة مخلة بالشرف)، ولما شكونا القاضي هذه الفكاهة التزويرية (التاريخية) نظر إلى رئيس اللجنة وسبَّه بأمه، ثم قال له: ما تتعملش كده يابن.. ثم تنحى بنا جانبًا، وقال لنا: أنتم والله أحسن ناس في البلد دي، سامحونا مش بأيدينا، وإنشاء الله حنشوفكم في أيام أفضل من دي.

 

أقول هذا لأؤكد أن النظام قد جعل مصر (وطنًا للتزوير)، يتنفسه الناس مع الهواء، ولكن القضية عندنا هي (صراع إرادات).. فلقد رأينا التزوير من الموظف، ومن ضابط الشرطة، ومن بعض القضاة، ولو كتبت حكاياته للتاريخ لتصور من يأتي بعدنا أنه لم يكن في هذا الوطن بشر.

 

لم نخش كل هذا.. ولكن نخشى أن يتحوَّل المثقفون الشرفاء من حالة (النصح بالمقاطعة) إلى حالة (مقاطعة من لم يقاطع) بل الأخطر من ذلك أنه لو ظل إخواننا على هذا الموقف يرددون توقعاتهم عن التزوير، فهم بذلك سيريحون النظام، وسيمهدون- دون رغبة منهم- طريقه للتزوير، فلقد كان النظام ينتظر منهم أن يرشقوه بأقلام الصدق والوطنية المخلصة، ليفضحوا إجرامه وفشله.. ويطالبونه بأن يرحل.. أما أن يتكلموا عن التزوير، وكأنه قدر، وعن السلطة، وكأنها طائر الرخ الخرافي، الذي يفعل ما يشاء ولا راد لمشيئته..! فهذا هو الخطأ.

 

إن القضية قضية مصابرة، هم صابروا على التزوير، فهلا صابرنا نحن على المقاومة؟
ليس منة على أحد أن نقول: إن الإخوان قد واجهوا لجج البحر المتلاطمة من السلطة الغاشمة يوم أن كانت الأفواه مكممةً والأقلام مقصوفةً.. ولا صحف تفضح، ولا فضائيات تشرح، ولا رموز ترفض، ودفع الإخوان- مع مخلصي الأمة- الفاتورة راضين.

 

وبعد أن تساندنا جميعًا في إسقاط شرعية النظام بنظر الجميع، فهل من الحكمة أن نتركه يرتع، تم نتوجه بأصابع الاتهام إلى الإخوان؛ لأنهم حزموا أمرهم بالمشاركة، بدلاً من أن نشهر أقلامنا في وجه المستبد المزور؟!.

نعم.. قد يزورنها.. فماذا ستفعلون الآن؟!.

هل ستظلون في نقد الجماعة ودعوة الجماهير بعدم تأييدها؟

ثم إذا حدث التزوير نبكتهم قائلين ألم نقل لكم؟

 

يومها يستريح النظام من الجماعة والمثقفين الوطنيين بضربة واحدة، ودون عتاب عليه أو ملام.

 

إن المثقفين المنحازين إلى النظام، ومعهم العلمانيون المنحازون ضد المشروع الإسلامي، لا يتورعون أن يخدموا مشروعهم مهما كان صادمًا للأمة:

وقفوا مع رواية رخيصة بزعم الوقوف مع حرية الإبداع!.

ناصروا الدكتور نصر أبو زيد غفر الله له، رغم آرائه المتصادمة مع العقيدة بزعم حرية الفكر!.

هاجموا المادة الثانية بالدستور بزعم خطورتها على وحدة عنصري الأمة!.

 

وقفوا مع وزير الثقافة في رغبته بإقامة احتفال على مرور 200 سنة على الاحتلال الفرنسي بزعم الرقي والتحضر!.

 

أيدوا التطبيع مع الكيان الصهيوني، بزعم الرغبة في تجنيب مصر ويلات الحرب والتفرغ للتنمية!.

 

هاجموا المقاومة الفلسطينية وحاصروها وشوّهوا صورتها في أعين المصريين، بزعم الحفاظ على مصالح الشعب الفلسطيني!.

 

هل يتصور أحد أن الخلافة الراشدة وكل عهود الخلافة من بعدها هي من أحدثت الهوان الذي نحن فيه الآن ومنذ القرن الثامن عشر؟

 

هل يتصور أحد أن حركة عرابي، ومصطفى كامل، وسعد زغلول، والبنا، كلها حركات هامشية انتهت، ورجع الوطن إلى حضنه الأصل أي إلى الحزب الوطني؟

 

هذه وتلك قالهما عبد المنعم السعيد رئيس جريدة (الأهرام) 20 سبتمبر، و27 سبتمبر على الترتيب).. قالهما ليناصر أبناء حزبه المتسبب في معاناة مصر وإخراجه من معادلة القوى في الشرق الأوسط.

 

لقد فعلوا كل هذا ويفعلون.. مناصرة للاسبتداد.

 

حين ذهب وفد من النقابيين الإخوان إلى زيارة مصطفى أمين شيخ الصحافة المصرية رحمه الله، يشكون إليه الهجمة الإعلامية على ذوي الاتجاه الإسلامي، التي بدأت تنال من الإسلام نفسه، قال لهم: لا تخشوا شيئًا، ولا تخشوا أحدًا، ولن تنتصر دعوتكم حتى تختلط بأعصابكم، وتجري مع الدماء في عروقكم، ثم كتب مقالاً قال فيه ما ملخصه: "لقد رأيت شعارات الإخوان في أزقة وحارات لا يصل إليها إلا صاحب إصرار على مبادئه، وأن جماعة وصلت بكلمتها إلى الأزقة بعد الشوارع والميادين جديرة بأن تحقق ما تصبو إليه من أهداف".

 

لقد فاجأتنا كلمة الرجل، وشجعتنا في وقت تكالبت علينا الدولة بصحفها وإعلامها، فأرجو من مثقفينا أن يشجعوا الإخوان وأن يمدوا يد المناصرة لهم.

 

إنها دعوة؛ لأن يلتئم شمل الشرفاء والمثقفين والنشطاء، وأن يتساندوا، وأن يؤكدوا التفاهم الجماعي على أرضية مقاومة الاستبداد، وأن يعلموا أن فوارق الاجتهادات والرؤى مرة مقبولة، وستظل على الأرض ما بقيت الحياة، والحكماء يعرفون متى يتفقون، ومع من يتفقون.. ومن يناصرون..

 

والمؤكد أن الإخوان لن يخذلوا أحدًا.