﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾ (هود).
"مصلحون" اسم فاعل من الفعل غير الثلاثي، وهو الذي يقوم بعملية الإصلاح، ونلاحظ أن هذا الوصف يطلق على مثل "حسن البنا"- طيَّب الله ثراه- وقد يطلق في المجتمعات غير الإسلامية على مثل "مارتن لوثر"، حسب معاني ومضامين الإصلاح عند هؤلاء، فقد يكون إصلاحًا بمعنى التحوُّل من الفاسد إلى الصالح، مثل الإمبراطور الرومي "قسطنطين"، الذي تحوَّل من الوثنية إلى الإسلام في شريعة المسيح عليه السلام، فانصلح حال الإمبراطورية بدخولها في دين الله.
وقد تكون دعوى الإصلاح مجرد معارضة دينية أو سياسية أو فكرية، أو محاولة للانخلاع من نظام أو مذهب أو طريقة؛ إلى نظام أو مذهب أو طريقة أخرى، ونضرب مثلاً بالشيوعية فالأصل أنها ماركسية نسبة إلى "كارل ماركس"، وبمرور الزمن حدثت محاولات قيل إنها إصلاحية، كمحاولات "إنجلز" و"لينين" و"ما وتسي تنج"، ولكن بالمعيار الإسلامي فالشيوعية فاسدة، وجميع المحاولات التي جرت هي فساد يدَّعي أصحابه الإصلاح، ولكنهم مفسدون! بمقدار ما يحملون من انحرافات عن مسالك الحياة السويَّة، انحرافات عن الفطرة.. فالماركسية شذوذ اقتصادي وسياسي واجتماعي وأخلاقي، وفكري ابتداءً، وكل محاولات إصلاحها كانت من فساد إلى فساد، بصرف النظر عن توظيف كلمة "إصلاح" في جميع المحاولات!.
المصلحون هم المسلمون!
الأنبياء والرسل وأتباعهم في أزمان شرائعهم هم المصلحون، ويتم الإصلاح بواسطتهم؛ لأن هذا الإصلاح يتم حسب منهج الله خالق الكون وخالق الإنسان.. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾ (الملك).
لكن ماذا عمَّن سموا أنفسهم "إصلاحيين" بعد الانتخابات الأخيرة في إيران مثلاً؟ خاصةً أن النظام هناك قائم على حكم ديني مذهبي شيعي إثني عشري؟ بعد نظام الشاة العلماني، ورأس النظام هناك الآن رجل دين ضمن منظومة رجال الحوزة العلمية في "قم" وغيرها..
فمَن هؤلاء الإصلاحيون في إيران؟ هل هم منسلخون من النظام الديني المذهبي القائم؟ أم هم متمردون عليه انقلابيون جملة وتفصيلاً؟ وهل هم الذي سموا أنفسهم "إصلاحيين"؟ أم سمَّاهم الإعلام المعادي في أمريكا والغرب؟ وإذا كانوا قد سموا أنفسهم فأي إصلاح يقصدون وله يعملون؟ وإذا كان الإعلام المعادي لإيران هو الذي سماهم ووصفهم، فلماذا تناغموا مع توجهات أعدائهم؟! ثم نسألهم: أي إصلاح تقصدون وله تعملون؟!
عود إلى هنا
إذًا وصف "إصلاحيين" يحتمل الأبيض والأسود.. إذا كان "الإصلاحيون" ينسبون أنفسهم إلى الإصلاح بالصيغة التي يستخدمها القرآن فهو "الأبيض"، وإذا كانوا بالصيغة التي يريدها الخصوم والأعداء، الصيغة التي تنقلب على مراد القرآن، وتتمرد على الشرعية الإسلامية بمواصفاتها؛ فقد ضلوا السبيل، وهذا هو "الأسود".
وإذا كانوا يريدون السطو على كراسي القيادة ليفعلوا ما يريدون وما يشتهون فهؤلاء "غبشيون" لا أبيض ولا أسود.. ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (النساء: من الآية 143).
لقد جرَّب نفر من أدعياء الإصلاح جربوا بتحركات في عمق وأطراف جماعة الإخوان المسلمين في مصر، في حياة الإمام البنا ومن بعده، وجرب نفر في سوريا، وجرب نفر في السودان، ولا داعي للتذكير بالأسماء، فكانت محاولاتهم أوهامًا ووبالاً على الأتباع معهم، وكانت محاولاتهم شيئًا من شغل الأمة الكبرى عن رسالتها، ثم خرجوا إلى العالم مواليد مشوهة لم تعمر طويلاً!! ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: من الآية 2).
إن الوثنيين العلمانيين والمتعلمنين لن يتركوا الحركة الإسلامية الأم تمضي في طريقها لتؤدِّي دورها المنشود، حتى ولو وصل الأمر إلى إشعال "صِفِّين" أخرى..! هل تستذكرون التاريخ؟!
شفقتي على من يستسلمون إلى وصف "الإصلاحيين" تناغمًا مع مراد الخصوم والأعداء!.
شفقتي عليهم حين يجدون أنفسهم منبوذين، يشار إليهم بمصدر الخطر على مجتمعهم وعلى أمتهم وعلى دعوتهم!.
شفقتي عليهم حين يكونون فرحين بنجاح مؤامراتهم بواسطة أناس من جلدتنا يتحدثون بألسنتنا!.
وإشفاقي على الأم التي لا تفتأ تهدأ من نوبات عقوق من مراهقين بلغوا سنَّ الرشد في القرآن ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (المائدة: من الآية 26) أو قاربوها، أو قاربوا الستين، ولا يزالون يضطربون في مواضعهم! ويبيعون أوهامهم!.
وأختم هذه التذكرة فأقول للإخوة "فلان" وعلان" و"ترتان".. أقول للأتباع والمتبوعين، لصناع الوهم والموهومين:
عيب، وخطأ، وحرام.. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: من الآية 25).