المعركة الدائرة الآن في الشارع المصري يسميها السياسيون بلغة العصر "معركة انتخابية" ونسميها نحن "معركة إيمانية" يختبر فيها كلُّ واحد منَّا إيمانه بالله تعالى، وإيمانه بالفكرة التي رضي أن يعيش لها أو يموت في سبيلها، وهل هذا مجرد كلام وشعارات أم إنها حقيقة داخل النفوس كما هي على الألسنة؛ لأن الحساب أمام الله تعالى يوم القيامة "فرديًّا" لا جماعيًّا ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)﴾ (مريم)، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)﴾ (الإسراء).
فلنعرض خلجات نفوسنا على آيات القرآن الكريم؛ لنقف على حقيقة قلوبنا ونُقَوِّم ما فيها من اعوجاج أولاً بأولٍ، ونسدُّ على الشيطان منافذه ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)﴾ (النساء)، بإذن الله.
- في البداية أذكر إخواني وأخواتي المرشحين في جميع الدوائر بأننا لا نريد بذلك زعامة سياسية، ولا وجاهة اجتماعية، ولا مجدًا شخصيًّا، وإنما لندافع عن حقوق شعب مظلوم مغلوب على أمره، انتهبت ثرواته، واغتصبت حقوقه في وضح النهار باسم "الدستور" و"القانون" اللذين تم تعديلهما من أجل أغراض شخصية لفئة محدودة جمعت بين السلطة والثروة في غفلة من الزمن، وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا".
فزكوا في أنفسكم هذه المعاني وأمثالها، ولينوا لإخوانكم وأعينوهم بثباتكم وإيمانكم وأخلاقكم، ولا تنسوا أن القرآن قد خاطب مَن هو أفضل منَّا ومنكم بقوله تعالى يوم أحد: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ (آل عمران: من الآية 152)، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما كنت أظن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد".
فاحذروا كل الحذر على أنفسكم أن تكونوا من الصنف الأول، واجتهدوا أن تكونوا من الصنف الثاني و"من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ........" الحديث.
- وأُذكر من لا يزال يرى المقاطعة أولى من المشاركة من إخواني داخل الصف وخارجه أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه في الخروج يوم أحد، وكانت نتيجة الشورى على غير ما كان يرى، فنزل على رأي المجموع، ثم كانت الهزيمة يوم أحد لا بسبب الشورى، ولكن بسبب المعصية، ثم نزل القرآن يعالج الموقف ويؤكد على الثوابت: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾ (آل عمران)، وقد أخذت الشورى حقها ومجراها ووقتها، ولم يعد هناك مجال للجدال والمناظرة، ولا وقت إلا للعمل بهمة ونشاط؛ فلنوحد جهودنا ونركزها في الاتجاه المطلوب فهو فريضة الوقت.
- وإذا كان هناك من يدور في نفسه حديث يتردد فيه بين الإقدام والإحجام؛ فليتذكر أن الله تعالى قد عاتب في ذلك بني سلمة وبني حارثة لهذا الهمِّ وذاك الخاطر الذي أوشك أن يتحول إلى عمل- تأثرًا بانسحاب عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش- لولا تثبيت الله سبحانه ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)﴾ (آل عمران) ومعنى تفشلا: تجبُنا، وقال جابر بن عبد الله: فينا بنو سلمة وبنو حارثة نزلت هذه الآية، وما أحب أنها لم تنزل لقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
فاستعن بالله يا أخي، وتوكل عليه، ولا تجعل الخوف يتحول في نفسك إلى جُبن، ثم تتخلف عن ركب الصالحين.
- ولا جهاد بغير نفقة، ولم يكلفنا الله تعالى في ذلك ما لا نطيق وإنما ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾ (الطلاق)، و"سبق درهم مائة ألف درهم"؛ لأن صاحب الدرهم في أشد الحاجة إليه أكثر من حاجة الآخر للمائة ألف.
أما أصحاب اليسار من إخواننا فمخاطبون بقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (محمد: من الآية 38)، وهنيئًا لكم قول أصحاب رسول الله: ذهب أهل الدثور بالأجور- والدثور: جمع دثََر، وهو المال الكثير- فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"، وقال: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم"؛ لكثرة ما أنفق في سبيل الله.
- ولا معنى لمال أقعد صاحبه عن الجهاد بنفسه ووقته ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111)، فهؤلاء لا عذر لهم ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ (التوبة: من الآية 93).
- وهناك من تنشط نفسه ويقدم وقت الرخاء فقط "في الربيع والجو البديع" ويحجم وقت الشدة والخوف والحاجة، والقرآن يقول لهذا- ما دام من المؤمنين-: خذ حذرك وكن دائمًا يقظًا مستعدًّا متحركًا ولا تكن قاعدًا متباطئًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72)﴾ (النساء).
- ولا شك أن عند البعض منا ثقل سببه إلف الدنيا، والبعد عن مجالسة الصالحين ومشاركتهم فعل الخيرات، أو تأثر بالمناخ المحيط، وهؤلاء المخلصون خاطبهم القرآن مستنهضًا همتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾(التوبة).
يا أخي.. لو عرضت لأحدنا صفقة تجارية مضمونة الربح لنشط إليها وقطع المسافات وهو سعيد مسرور، والآخرة خير وأبقى، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)﴾ (التوبة).
- ولا تخش أخي الكريم من قلة العدد والعدة وكثرة الخصوم وأسلحتهم الأمنية والإعلامية والمالية التي جندوها لاستئصال الدعوة والدعاة ما دمت مع الله، متوكلاً عليه، متماسكًا مع إخوانك، آخذا بالأسباب لأقصى طاقتك، فأنت بالله قوي و﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة).
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ (آل عمران)، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (الزمر: من الآية 36)، ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)﴾ (إبراهيم).
- أما اليأس فليس من منهاجنا، ولا من أخلاقنا، ولا مكان له في قاموس الدعاة في سائر الأزمان ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)﴾ (يوسف)، وفي النهاية تبقى الحقيقة: أن من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
"اعملي يا فاطمة فإني لا أغني عنك من الله شيئا"، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)﴾ (المدثر).
فليجتهد كلُّ واحد منَّا؛ لكي ينجح في معركته الخاصة بينه وبين ربه، فتلك هي المعركة الحقيقة، معركة الإيمان في القلوب، وما نمرُّ به بين الحين والحين ليس إلا محطة اختبار وتمحيص لحقيقة الإيمان في النفوس مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (آل عمران: من الآية 179).
وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه.