استقر الفقه الدستوري في مختلف مدارسه على جملة مبادئ اتفقت الجماعة الإنسانية على الالتزام بها في نضالها الطويل من أجل حياة كريمة، بل ودونتها في مواثيقها المؤسسة، بما يعكس حالة إجماع إنساني عليها، تلزم المشرع الدستوري في أي قطرٍ من الأقطار عدم الحيدة عنها أو التحايل عليها.

 

من هذه المبادئ، مبدأ سيادة القانون، مبدأ المساواة، مبدأ تكافؤ الفرص، مبدأ الحرية الشخصية..

 

- لما كان ذلك وكان المشرع الدستوري قد قدر في مصر أن الضمانة الحقيقية لصيانة جملة هذه المبادئ، وما يقرر من حقوق إنما يكمن في انتخاب مصدر من بين مصادر التشريع التي عرفتها البشرية في أطوارها المختلفة، وهي (الشريعة الإسلامية) فجعلها المصدر التشريعي، كما نصت المادة الثانية منه على الآتي:

 

(الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)، ويكون ذلك هو الترجمة العملية لمقصود المشرع الدستوري في هذا الخصوص.

 

(سلطة التشريع اعتبارًا من تاريخ العمل بتعديل العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور في 22 مايو 1980، أصبحت مقيدة فيما تسنه من تشريعات مستحدثة أو معدلة لتشريعات سابقة على هذا التاريخ بمراعاة أن تكون هذه التشريعات متفقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية).

 

(القضية رقم 20 لسنة 1 ق دستورية لجلسة 4 مايو 1985- مجموعة أحكام المحكمة الدستورية ج 3 ص 209).

 

- ولما كان المستقر عليه في قضائنا الدستوري تأكيد مبدأ من المبادئ الدستورية ليس مجرد حق من الحقوق المكفولة كوجه من وجوه حرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريًّا، بل هي واجب وطني في الأساس لا استقرار للمجتمع في مقوماته الأساسية دون ممارسته، فهو واجب مخصوص في حق الأحزاب والقوى السياسية التي تتصدى لتنشئة وتعبئة وحشد الرأي العام، وحيث إن النصوص الدستورية إنما تؤخذ في مجملها، وتحمل أحكامها في كلياتها دون تصور تعارض بينها أو تناقض فيما تقرره من أحكام، كان من اللازم فهم نص المادة الخامسة من الدستور والتي جرى نصها بعد تعديلها على فقرتها الثالثة المضافة في فقرتها الأخيرة: (ولا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أي مرجعية دينية أو أساس ديني أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل).

 

وكانت المادة الثامنة من الدستور "تقضي بـ"تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين".

 

وكانت المادة الحادية عشرة من الدستور تقضي بـ"تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية".

 

وكانت المادة الأربعون من الدستور تقضي بـ"المواطنون أمام القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة".

كان لا بد من فهم موضوع الشعار في ضوء ما سبق.

 

الإسلام هو الحل: هل هو شعار سياسي أم شعار ديني؟

أخذًا بما سبق وهديًا عليه فإن مقصود المشرع الوارد بنص المادة الخامسة من الدستور وما تلاه من تعديلات في هذا الخصوص في قانون مباشرة الحقوق السياسية بحظر استخدام شعارات دينية أو على أساس ديني أو ذات مرجعية دينية إنما هو حظر فيما يمثل تمييزًا بين المواطنين بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو الأصل، وهذا الأمر لا بد من فهمه وفق باقي أحكام الدستور وخاصة المادة الثانية منه، إذ إن الإسلام باعتباره الدين الرسمي للدولة والمصدر الرئيسي للتشريع، وكما أجمعت عليه الأمة بعوامها وعلمائها يتقسم إلى عقائد وعبادات وأخلاق ومعاملات، وكانت العقائد والعبادات الإسلامية من الخصائص التي يختص بها المسلمون دون غيرهم.

 

- أما المعاملات من سياسة واقتصاد واجتماع وقانون وعلاقات دولية فهي الشريعة العامة التي تحكم علاقات بعضهم ببعض، فالسياسة في الإسلام في هذا العموم ليست إلا جزء من شرائعه التي نص عليها، وعلى ذلك فإن مبادئ الشريعة الإسلامية ومنها النظام السياسي، وهو أحد النظم السياسية المطروحة في سياق النسق الفكري الإنساني، ويتميز على النظم الأخرى كالاشتراكية والرأسمالية والشيوعية وغيرها، إذ إنه في الأصل في قواعده العامة منزل من عند الله تعالى وعلى ذلك يجوز لأفراد الشعب بكافة طوائفه وجماعاته وأحزابه السياسية اعتناق هذا المبدأ السياسي الذي يستخدم من الإسلام كشريعة تنظم المعاملات مرجعية فكرية وثقافية وسياسية، ولهذا المذهب الحق في أن يطرح نفسه كبديل للنظم السياسية الأخرى، باعتباره مذهب وشريعة الغالبية العظمى من هذا الشعب، وتطبيقًا لنصوص الدستور.

 

- إذًا فشعار الإسلام هو الحل كشعار سياسي يتطابق عامة مع مواد الدستور خاصة المادة الثانية منه، ولا ينال من ذلك ما جاء بالفقرة الثالثة من المادة الخامسة المضافة، إذ أن تلك المادة قد حظرت استخدام كعقيدة لا كشريعة مرجعية في العمل السياسي، أما طرح أفكاره الإصلاحية والسياسية كمبادئ يستند إليها معتنقوه وغيرهم في تسيير شئون الدولة والحكم، وفي أعمالهم اليومية والحياتية مفهومًا يتفق وعين الدستور خاصة المادة الخامسة بعد التعديل: إذ لا يتصور أن المشرع الدستوري قصد حظر العمل السياسي على مرجعية دينية بالمفهوم السياسي بل كان قصده إعمال هذا الحظر في الجوانب العقدية وإلا كان قد أعمل تعديلاته في المادة الثانية والحادية عشرة، حتى تتسق أحكام الدستور مع بعضها البعض ولا تتعارض.

 

وهذا ما أكد عليه السيد رئيس الجمهورية في خطابه أمام مجلسي الشعب والشورى لتعديل 34 مادة بالدستور وكان منها المادة الخامسة إذ أكد أن المقصود هو حظر مباشرة السياسة على أساس التفرقة بسبب الدين أو الجنس أو الأصل بقوله.

 

ثانيًا: إضافة فقرة ثالثة للمادة الخامسة من الدستور يستهدف طلب إضافة هذه الفقرة تأكيد بعض الثوابت التي تحكم الشخصية المصرية، ويتمسك بها الشعب؛ وذلك بعدم التفرقة بين المواطنين بسبب الدين أو الجنس أو الأصل وهو ما احتفى به الدستور في المادة 40، ومن ثم طلب إضافة فقرة ثالثة إلى تلك المادة بهدف حظر مباشرة أي نشاط سياسي أو حزبي أو قيام الأحزاب على أساس الدين أو الجنس أو الأصل.

 

فلا يصح لدولة يتيه تاريخها بوحدتها الوطنية وتفخر على مر العصور بتماسك شعبها وصلابة بنيانها أن تتوزع مصالحها ومناهج العمل السياسي والوطني فيها إلا على أساس المواطنة وحدها دون تفرقة بسبب الدين أو الجنس أو الأصل.

 

وهذا ما أكدته أيضًا اللجنة العامة لمجلس الشعب عند مناقشتها لهذه المادة بقولها: "وقد جاء اقتراح إضافة مادة ثالثة للمادة الخامسة بهدف حظر مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام الأحزاب على أساس الدين أو الجنس أو الأصل متفقًا مع هذا المنطلق وملبيًا لمبدأ المواطنة لما نصت عليه الماده 64 من الدستور من أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة ولما نصت عليه المادة 65 من خضوع الدولة للقانون ومتفقًا مع ركائز الدولة القانونية القائمة على مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة..

 

ومن ثم لازم ذلك أن تأتي الفقرة المقترح إضافتها لتأكيد كافة المعاني السابقة وحماية ما تفرضه من قيم ومبادئ تمثل الثوابت في حضارة الشعب المصري العظيم من رفض أي تمييز بين المواطنين". 

 

فالمقصود إذًا بالشعارات الدينية المحظورة في العمل السياسي هي تلك الشعارات التي تفرق بين دين ودين أو تدعو لفتنة طائفية أو تقول بأن الإسلام ولا شيء غيره، ولعل ذلك هو ما أيدته أحكام محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا في أحكام حازت حجية الأمر المقضي به إذ قضت في حكميها الرقميين 38 لسنة 55ق و513 لسنة 55ق (ومن حيث إن الشعار الانتخابي موضوع النزاع لا يتضمن سوى الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وهذا الهدف هو أحد مقاصد دستور جمهورية مصر العربية والذي نص في مادته الثانية على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع وما هذا الشعار إلا دعوة صريحة بتطبيق الشريعة الإسلامية لإصلاح حال الأمة على هدى من هذه الشريعة، وغني عن البيان أن الإسلام لا يدعو إلى الفتنة ولا يعتنق العنف سبيلاً أو أسلوبًا لفرض مبادئه وأفكاره، وإنما بالحجة البليغة والإقناع السليم فقال الله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125)، كما يدعو إلى السلام والمحبة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2)، ولا ينكر سماحة الإسلام إلا جاحد فإذا كانت هذه المبادئ هي حقيقة وجوهر الشعار موضوع النزاع فضلاً عن ظاهره فإنه لا يتعارض مع المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة ومن ثم لا يخالف ما جاء بقرار وزير الداخلية المنظم للدعاية الانتخابية ويكون قرار الجهة الإدارية بمنع المدعي من مباشرة دعايته الانتخابية تحت هذا الشعار مخالفًا لصحيح القانون ويضحى مرجح الإلغاء).

 

(من حكم محكمة القضاء الإداري رقم 38 لسنة 55 ق الصادر في 17/10/2000 والمؤيد من الإدارية العليا).

 

وكذا (حكم رقم 513 لسنة 55 ق الصادر من محكمة القضاء الإداري 5/11/2000 والمؤيد من المحكمة الإدارية العليا).

 

وليس أدل على ذلك أيضًا من أن الأغلبية السياسية (الحزب الحاكم)، والذي أقر التعديلات الدستورية، وقد أسفر عن توجهه إذ إنه يمارس العمل السياسي في أحيانًا كثيرة على مرجعية دينية، فهل يفهم أن يقوم السيد رئيس الجمهورية بالاحتفال بالمناسبات الإسلامية كالمولد النبوي، وتحتفل الدولة بالهجرة، وأن يطعم سيادته أحاديثة الموجهة للشعب في المناسبات السياسية المختلفة بما يؤيدها من آيات قرآنية لأنها يعتبر الدين أحد مرجعياته الأساسية في ممارساته السياسية.

 

وكذلك المجلس التشريعي الذي لا يبدأ جلساته ومضابطه إلا بعد ذكر الآية الكريمة ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105)، صدق الله العظيم.

 

ولعل هذا المعنى يتوثق ويترسخ إذا ما نظرنا للمادة الحادية عشرة من الدستور، والتي استدركت على واجب الدولة في التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة والعمل في المجتمع ومساواتها مع الرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية.

 

فإذا كانت الشريعة الإسلامية هي الحاكمة على ممارسة المرأة في ميادين الحياة السياسية، وغيرها من الميادين وكان ذلك بما يكفل المساواة مع الرجل فهل يعقل بعد ذلك أن يقول قائل عدم جواز رفع شعار سياسي إسلامي (من منظور سياسي كشريعة تحكم الناس)، في أعمال انتخابية أو تشريعية.

 

ولعل هذا كله يتفق مع المادة الثامنة والمادة الأربعين وأضيفت إليها أيضًا المادة الأولى من الدستور التي ساوت بين المواطنين.

 

ولا يمكن أن يغفل هذا المقام مقولة البابا شنودة الثالث (أنا مصري الجنسية مسلم الثقافة)، وهذا أيضًا مما قرره السياسي المصري الكبير مكرم عبيد إذ قال: أنا مسلم الحضارة والثقافة ومسيحي الديانة والعقيدة وبطرس غالي وغيره كثيرون.

 

الإسلام هو الحل هل هو شعار دستوري؟

شعار الإسلام هو الحل هو دعوة لتطبيق مبدأ من مبادئ الدستور، فمن المستقر عليه أن معنى الإسلام هو الحل وفقًا لقواعد اللغة العربية وتطبيق ما جاء بأحكام القضاء، ما هو إلا دعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية في مبادئها العامة وأصولها الكلية، تمامًا كمن يدعو إلى تطبيق مبدأ المواطنة أو مبدأ حرية التعبير أو مبدأ المساواة بين المواطنين أو مبدأ سيادة القانون سواءً بسواء.

 

* فمن يدعو إلى إعمال مبدأ المواطنة في شعاراته كمن يدعو لتطبيق المادة الأولى من الدستور.

 

* ومن يدعو إلى المساواة بين المواطنين في شعاراته كمن يدعو إلى تطبيق المادة الثامنة من الدستور.

 

* ومن يدعو إلى حماية المرأة ومساواتها بالرجل في شعاراته كمن يدعو إلى تطبيق المادة الثالثة عشرة من الدستور.

 

* ومن يدعو إلى تطبيق مبدأ سيادة القانون على الجميع في شعاراته كمن يدعو إلى تطبيق المادة 40 من الدستور.

 

* ومن يدعو إلى تطبيق منهج الإسلام وشريعته كحل لمشكلاتنا اليومية في شعاراته كمن يدعو إلى تطبيق المادة الثانية من الدستور سواء بسواء.

 

بل هو يدعو إلى تطبيق الأصل العام الذي لا يجوز مخالفته دستوريًّا ولا قانونًا إذ أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهي بذلك تضحى إلى المرتبة الأسمى من كونها شعارًا قانونيًّا أو دستوريًّا، بل هو شعار فوق دستوري، إذ إنه من الواجب من الأفراد والقوى السياسية كما سبق جميعًا الدعوة إلى نشر مبادئ الدستور، ووفقًا للمادة الثانية منه وهو الشريعة الإسلامية.

 

- ووفقًا لهذا المفهوم ولما استقرت عليه المحكمة الدستورية من أن نص المادة الثانية من الدستور هي دعوة للمشرع ولكافة أجهزة الدولة أن تجعل الشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية وأصولها العامة المصدر الرئيسي لتشريعاتها الحاكمة، تعمل أجهزتها وكافة الخاضعين لها على ذلك بكل ما أوتيت من قوة وعزم في سبيل ذلك.

 

- وبذلك يضحي شعار الإسلام هو الحل أكثر من شأنه شعارًا مباحًا أو غير مجرم، بل هو أسمى من ذلك وأجل ويحمل واجبًا عامًّا على جميع أجهزة الدولة العامة العمل به طبقًا للقاعدة الدستورية السابقة، ويكون من شأن تعطيله أو العمل على منعه مهدرًا للبنيان الدستوري، والمشروعية العليا.

---------------

* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة التشريعية في مجلس الشعب المصري