جزء كبير من المعاناة التي تعانيها دائرة مركز دمنهور، إنما هو بسبب سقوطها في فلك النسيان، فمنذ زمن بعيد وهذه الدائرة لا يهتم بها أحد لعدة أسباب أهمها على الإطلاق: أنها دائرة تكاد تكون بلا نائب يتبنَّى حل مشكلاتها ويدافع عن حقِّ أهلها في حياة كريمة، فهي دائرة متسعة المساحة ومترامية الأطراف، وبها مساحات كبيرة من الأرض الزراعية تنتج المحاصيل التقليدية الموسمية، وبها كثير من المصانع الخاصة، وبالأخص مصانع منتجات الألبان ومشروعات التسمين، إلا أنها ترتفع فيها نسبة الفقر والعوز بصورة مزعجة وأشد بمراحل من معاناة بقية الشعب المصري، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة؛ لدرجة أنك قد تُفاجأ بكثير من حملة المؤهلات العليا وهم لا يجدون عملاً أو يمارسون أعمالاً باليومية أو تركوا بلادهم، وساحوا في المحافظات الأخرى أو إلى بعض الدول العربية بحثًا عن مصدر للرزق؛ ليسدوا حاجاتهم أو يمنون النفس بمبلغ من المال يدخروه؛ لعلهم يستطيعون الإقدام على خيال البحث عن بنت الحلال وشريكة العمر والكفاح، وهو حلم صعب المنال وأوضاعهم على هذا الحال.

 

والأمر الأدهى هو هذا الكم الرهيب المنتشر من الأمراض، وبالأخص أمراض الكبد والفيروسات الوبائية، وتزداد المعاناة مع عدم القدرة المادية على الإنفاق على العلاج مع انخفاض مستوى الدخل- كما أشرنا- وبنظرة سريعة على المجاري المائية بها وقد امتلأت بناتج الصرف الصحي تضع يدك على أحد أهم الأسباب، وبين ضعف إمكانيات الوحدات الصحية أو انتشار الإهمال فيها يقع الفلاح ضحية بين هذه المطرقة وذلك السندان، ناهيك عن ألوان المعاناة الأخرى من نقص شديد للمرافق، فلا طرق ممهدة ولا خدمات، فكم كبير من القرى ما زالت تشرب من مياه الترع (تصوَّر)، إلى الانقطاع المتواصل للكهرباء، إلى التليفون الصامت الذي لا ينطق لانقطاع الحرارة الدائم.. إلخ.

 

وبالمرور على مشكلات الزراعة من مياه للري شحيحة، وخاصة في نهايات زمامات الترع (وحدِّث ولا حرج عن المساحات الضخمة التي يضطر أصحابها إلى استخدام مياه الصرف للري منها؛ لعدم توفر مياه الري الصالحة، فكم من مساحات قل إنتاجها أو نقصت جودتها نتيجة لذلك)، إلى مشكلات الصرف الزراعي إلى تفاصيل المعاناة مع الجمعيات الزراعية التي يكاد يكون دورها تقلص في تقديم الخدمات التي اعتاد الناس الحصول عليها من الجمعية من توفير البذور والمبيدات والكيماويات انتهاءً بتسويق المنتجات، وترك الفلاح فريسة في يد التجار، وما أشهاها فريسة مع غياب الرقابة وتوفير الحماية لهؤلاء المساكين.

 

ولو انتقلنا إلى التعليم فهي المصيبة بعينها، فالمدارس كما هو الحال في شتى الأماكن هجرها الطلاب، كما هجرها المدرسون، غير أنه في مركز دمنهور المدارس بعيدة عن أعين المفتشين والمراقبين والموجهين؛ ما جعل العملية التعليمية شبه منهارة.

 

وبنظرة سريعة على المستوى العلمي للطلبة يصلك الخبر اليقين، وهذا أثقل كاهل المواطنين، فأضيف إلى همومهم السابقة همُّ الدروس الخصوصية، وعندها لا يحتاج الأمر إلى كثير كلام.

 

والمعاناة لهذه الدائرة كثيرة لا تكاد تنتهي، ولكنني في هذه الإشارة لا يفوتني أن أنِّبه إلى خطورة غياب الأمن والأمان في أرجاء المركز؛ فانتشار السرقات بصورة مرعبة، فحتى كابلات التليفونات لم تسلم من ذلك، ويحدث هذا كله في وضح النهار، وللأسف ينشغل رجال الأمن عن الأمن الجنائي بالسياسة، وقد يكون هذا جزء من هموم رجال الأمن الذين يتحمَّلون فشل الساسة على كاهلهم؛ فتركوا مهامهم الأساسية وانشغلوا بسدِّ عجز السياسيين.

 

ونحن في هذه التطوافة السريعة لا نزعم أننا قد أحطنا بكلِّ ألوان المعاناة التي يتحملها أبناء هذه الدائرة المنكوبة، ولكننا أحببنا أن نلفت النظر فقط لعلنا نجد لدى السادة الكرام حكام هذا البلد ومسئوليه آذان تصغى؛ فتترفق بهؤلاء المساكين، كما لا يفوتني أن أنبِّه إلى أن الإخوة العاملين في شتى المصالح المشار إليها قد يكونون أيضًا ضحايا لنظام فاقد الرؤية والقدرة على حلِّ مشاكل المواطنين، ولكنني أسأل، هل لديه النية أصلاً؟، وأحبُّ أن ألفت النظر إلى أننا تقدَّمنا للترشح للانتخابات- ويعلم الله وحده بنيَّاتنا- لنمد أيدينا لهؤلاء المواطنين؛ لنمسح على جراحهم أو نقدِّم لهم يد العون أو إيصال شكواهم للمسئولين؛ لعلنا نجد فيهم من يشعر بمشاعرنا، وسنظل بعون الله ننافح ونكافح للوصول إلى ما نصبوا إليه، يحدونا أمل عريض في الله أولاً ثم ثقةً في حيوية يقظة هذا الشعب الأبي ثانيًا.

والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

---------------

* م. حسني عمر مرشح الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب 2010م عن مقعد الفئات دائرة مركز دمنهور- eng.h.omar@gmail.com