جلستُ أمام التلفاز لأشاهد مباراةً لكرة القدم، وقبل أن تبدأ المباراة جلست أفكر في معنى الفوز، وما يصاحبه من مشاعر جياشة، ووجدت نفسي أستعرض ثلاثة أنواع من الفوز، أولها الفوز الصعب؛ حيث تفوز على منافس قوي تبذل جهدًا كبيرًا للتتفوق عليه، وهنا تشعر بالسعادة وراحة الضمير؛ حيث فوزك مستحق، وجهدك لم يضع هباء، وثانيها الفوز السهل؛ حيث يكون منافسك ضعيفًا، وهنا يقل شعورك بالفرحة، أما الثالث فيسمى الفوز الرخيص؛ حيث تحرز فوزًا لا تستحقه، وهو يشبه السرقة، وهو لا يستند إلى كفاءة أو موهبة قدر ما يستند إلى الواسطة، أو المحسوبية، فوز لا يجب أن يشعر صاحبه بالفرحة أو الفخر، بل يشعر بالخزي والعار كمرتكب الجريمة.

 

وعندما مكثت مستغرقًا في هذه الأفكار إذا بصاحبي ينبِّهني أن المباراة بدأت، ولم تمض إلا دقائق، وإذا بأحد اللاعبين يطير في الهواء، ويودِّع الكرة في المرمى محرزًا هدفًا ظننته جميلاً، وجرى اللاعب نحو الجماهير مبديًا فرحته الطاغية، وعند إعادة مشاهدة الهدف في التلفاز تذكرت الفوز الرخيص؛ حيث أحرز هذا اللاعب الهدف بيده، لم يؤنبه ضميره بل فاخر بعد المباراة، واعترف بذلك، وعند ذلك وجدت الجالسين معي في حالة غيظ شديد واستنكار لهذا الفوز الذي هو في حقيقته سرقة لجهد الآخرين، فالتفت إليهم، وقلت لهم يا أصحابي الكرام إنها في النهاية مباراة كرة لن تؤثر على مستقبل بلد أو مصير أمة، ولكن تعالوا معي نرى هذا الفوز الرخيص في كل شئون حياتنا؛ حيث يفوز الأقل كفاءةً بالمنصب المرموق؛ لأنه ابن فلان بينما تحرم الأمة من أصحاب المواهب والقدرات، نرى وزراء ومسئولين لا يُختارون لعلم أو موهبة أو كفاءة بقدر صلتهم بالسلطة ومواقع اتخاذ القرار، إنه فوز بالذراع كما أودع صاحبنا الكرة بيده في المرمى.

 

يا أصحابي إننا على أبواب انتخابات مجلس الشعب، وقد سبقها منذ شهور انتخابات مجلس الشورى التي فاز فيها الجميع بالذراع، ذراع الأمن والحكومة ومؤسسات الدولة، وكانت هذه الذراع أطول من المطلوب، فزوَّرت لبعضهم 300 ألف صوت في دائرة لا يفوز فيها أحد المرشحين كل مرة إلا بعدة آلاف من الأصوات، فهل تأتي الانتخابات القادمة نزيهة شفافة كما وعد كل المسئولين؛ حيث يفوز فيها مَن يفوز بجهده وعرقه وإقناع أبناء الدائرة بشخصه وكفاءته وقدرته على تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم ورعاية مصالحهم، بل وتمثيل كل أبناء مصر؟ وهل تقف كل أجهزة الدولة على الحياد بالنسبة لجميع المرشحين؟ أم يتكرر الفوز بالذراع وتمتد الأذرع الكثيرة لمساندة مرشح بعينه فتحرز له الأهداف، وتملأ الصناديق بالأصوات المزورة له، بينما هذه الأذرع تمنع الآخرين من الفوز أو حتى التعادل، بل تتعمد هزيمتهم وإقصاءهم، فتمنع من يصوِّت لصالحهم من دخول اللجان، وتطرد مندوبيهم، وتعتقل مناصريهم، ثم تعبث بالصناديق حتى ينتهي الأمر بفوز المرشح الذي تختاره هذه الأذرع، ويخرج علينا الإعلام المضلل محتفلاً بهذا الفوز الرخيص، ويحتفل الفائزون بالزور والبهتان الذي أحرزوه دون أن يكون في وجوههم حمرة الخجل أو في نفوسهم شعور بالخزي أو العار، وعندها تبيت أمنا الغالية مصر تبكي عقوق أبنائها الذين حققوا هذا الفوز الرخيص، وحرموها مستقبلاً زاهرًا كانت تتطلع إليه بفضل أبنائها الذين حرمتهم هذه الأذرع من فوز مستحق.

 

وأنتم يا أصحابي هل تشاركون في إهداء الفوز لمن لا يستحقه؟ أم تقومون بواجبكم تجاه أمكم الكبرى مصر؟ وانتظرت الرد من أصحابي ولكن الصمت خيَّم على الجميع فكان أبلغ ردٍّ.

----------

* كفر الدوار- البحيرة.