في مثل هذا الوقت من انتخابات مجلس الشعب عام 2000م كان الآلاف من الإخوان رهن المعتقلات والباقي مطاردون، بينما المرشحون يسيرون في الشوارع وحدهم حتى محاموهم تم اعتقالهم.
وفي مثل هذا الوقت عام 2005م وقبل انتخابات مجلس الشعب كانت الجولات والمؤتمرات من الجميع على أشدها، والجو ساخن، والشارع يغلي من جميع الأطراف، كما كانت حملات الاعتقال نشطة، وإن لم تكن بصورة عام 2000م؛ لكن الاعتقال كان يتم على خلفية قضايا جنائية مبتدعة، تهربًا من المتابعة الدولية، والمطالب الأمريكية.
في هذه الانتخابات رأينا الإجراءات التي التزمت المواعيد الرسمية المعلنة لفتح باب الترشيح.. الأمن يحارب مظاهر الدعاية اللافتة، وهناك تشديد على قصرها على الموعد القانوني الذي ربما يقتصر على أسبوع واحد فقط تتخلله إجازة العيد، حتى مرشحو الحزب الوطني لم يعلن عنهم حتى تاريخ اليوم (6 نوفمبر) أي قبل الانتخابات بثلاثة أسابيع؛ حتى أعضاء الحزب الوطني أنفسهم لا يعلمون على من يقع سهم الاختيار (هل تتصور ذلك؟!). المرشحون الذين تقدموا بأوراقهم إلى اللجنة الانتخابات وقبلت لم يعرفوا رموزهم بعد.. هناك حالة رسمية تتعمد حصر الأمور وتهدئتها لأقصى درجة.. لكن لماذا؟!.
هل النظام معني بالهدوء في الشارع وتمرير الانتخابات دون أن يشعر بها الناس؟ أم هل النظام معني بأقل عدد من الشهود على جريمة تزوير كبرى سترتكب؟ أم أن النظام لم يتخذ قرارًا بعد في كيفية السيطرة على نتائج الانتخابات؛ فهو يجمد الأمور حتى تتضح له الرؤية، ويتخذ القرار المناسب.
أي الخيارات السابقة أصح؟ لكي نقترب من خيار محدد علينا أن نرى ليس فقط ما يدور على خشبة المسرح بل ما يعده اللاعبون خلف الكواليس.. ما خفايا المشهد؟!.
نعود إلى الوراء قليلاً.. جورج بوش كان على خلاف شديد مع الرئيس مبارك بسبب تأخر الخطوات الداعمة للحريات ونشر الديمقراطية في مصر؛ وهو الأمر الذي تعتبره الإدارة الأمريكية صمام الأمان للمنطقة بأسرها.. (أما لماذا فتحتاج لمقال آخر وسنعرض عما قليل لبعضها)، مع تغير الإدارة الأمريكية وقدوم أوباما تنفس النظام المصري الصعداء لكن ذلك لم يطل، فسياسات أمريكا أممية إستراتيجية، لا تعتمد على مواقف وأمزجة الأشخاص. فوجئ النظام بأن أوباما المبتسم والهادئ يصدر بيانًا شديد اللهجة ضد النظام المصري بمناسبة تجديد الطوارئ، وإن جاء في شكل مبتكر، بينما كانت الإدارة الأمريكية قد حصلت على وعد بإلغائها، ثم ما فتئت تلك الإدارة على التشديد على النظام المصري في كل مناسبة بأهمية إطلاق الحريات، وعدم قمع المعارضة، وبتأمين سلامة الإجراءات الانتخابية، ومؤخرًا تردد أن الإدارة الأمريكية على وشك إصدار بيان رئاسي بخصوص الانتخابات المصرية؛ بحيث يلزم الإدارة المصرية معنويًّا بتأمين سلامة الانتخابات أو في إجراء بديل قد يتم إرسال مندوب رئاسي للقاهرة لمتابعة الانتخابات، والتأكد من التزام النظام المصري بسلامة إجراءاتها، وعدم تدخله المعهود فيها، وما زالت هناك حوارات وإشارات وبخاصة تلك التي تصدر من معهد كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط أو من خلال الرسائل التي تبث للنظام من خلال مقالات رئيسية بالصحف الكبرى الأمريكية كـ(الواشنطن بوست)؛ فمصر بالنسبة لأمريكا صمام أمان للمنطقة كلها.. ورغم ضعف دورها السياسي الحالي كدولة ونظام في المنطقة إلا أن لشعبها ونخبها ثقلاً كبيرًا ومؤثرًا في المنطقة كلها رغم ضعف الدولة (كما تذهب ميشيل دون المحللة الخاصة بأوضاع الشرق الأوسط في معهد كارنيجي).
ومن هنا تأتي الرغبة الأمريكية في إبعاد الشعب المصري عن فورات الغضب، أو الأدلجة المعادية، أو انتشار العمل السري فما زالت مصر أو نظامها مدخل أمريكا للتحكم في مسارات عمل الجامعة العربية، وما زالت مصر أو نظامها صمام الأمان لحدود إسرائيل الغربية، وما زال لأمريكا امتيازات عسكرية كبرى بمصر، وخاصة في حال الأعمال العسكرية قد تحرم منها في حال شيوع الفوضى، أو تحلل النظام القائم.
لذلك ترى أمريكا أن نظامًا ديمقراطيًّا بمصر مسالم للغرب أو في علاقات جيدة معه قد يكون الحل؛ فماذا لو أتت الديمقراطية بالإخوان؟ أمريكا بالقطع ستقف ضد ذلك، لكنها قد لا تمانع اضطرارًا أن يكون الإخوان جزءًا من ترتيب المنزل الجديد على ألا يكونوا هم واجهة النظام الحاكم أو مهيمنين عليه، والإخوان بدورهم قد يرون أن ذلك ثغرة في الحصار المفروض عليهم وخطوة للأمام.
طبعًا كل ما تضغط به الإدارة الأمريكية لا يأتي في صالح مخططات النظام الحاكم وترتيباته التي تعتمد على الترتيب المباشر الاستبدادي للبيت المصري، وبخاصة فيما يخص موضوع التوريث؛ لكن النظام المصري وقع في حرج بالغ، فذلك النظام في حاجة ماسة للرضا الأمريكي عن مشروعه التوريثي، وهو مضطر لمسايرة الطلبات الأمريكية، في حين أنه يريد الحفاظ على الخيوط في يده وألا تفلت الأمور من قبضته، النظام كالمعتاد أراد تخويف الإدارة الأمريكية من قدوم الإخوان، لكن الإخوان بإعلانهم عن دخول الانتخابات تحت شعار المشاركة فقط دون المغالبة، أحبط تلك الدعوى، والفزاعة تحولت إلى صمام أمان.
من هنا فالنظام وقع في ورطة فهو إما أن يسير حسب مخططه القديم من التحكم في نتائج الانتخابات؛ وهو ما قد يغضب الطرف الأمريكي فيمنع رضاه عن مشروع التوريث، وإما أن يترك الانتخابات تسير كما يأخذها الطريق، ومن هنا تقع المخاطرة، فأعداد الإخوان رغم أنها لا تتجاوز 30% إلا أنها بجوار رموز الأحزاب وأعداد المستقلين الكبيرة قد تشكل مغامرةً تحمل مفاجآت غير محسوبة.
لذلك فإنني أذهب إلى أن الهدوء الظاهري أو محاولة فرض هذا الهدوء إنما هو ارتباك وحيرة تحاول أن توفق بين مطلبين، أولهما التحكم في نتائج الانتخابات، ولو بصورة ما لا تهدد المشروع التوريثي القادم أو تبقيه حاضرًا على الأقل، وفي نفس الوقت إظهار صورة النظام بأنه لم يتدخل في الانتخابات بشكل سافر، ومن هنا قد تنفتح الخيارات لأشكال عدة واحتمالات قد تحدث أو يحدث بعضها خلال الانتخابات القادمة، مثلاً اللجوء مرة أخرى إلى التأثير في مجرى الانتخابات عن طريق العائلات والبلطجية (بعيدًا عن الإدارة والأمن)، شراء الأصوات بكثير من المال، تحويل الأصوات من دوائر إلى أخرى، تشتيت الأصوات وبعثرتها وإرباك الناخبين بين اللجان، تغيير اللجان ومقارها وأرقامها، اللجوء إلى التزوير في أشخاص الناخبين... إلخ، ومع ذلك تبقى كل الخيارات الأخرى مفتوحة مع مدى شعور رجال لجنة السياسات بالخطر.
الحقيقة أن خطوط المواجهة متداخلة وجبهة القتال غير واضحة المعالم ومختلفة التضاريس، وهو ما أعتقده أنه في صالح الوطن؛ لأنه وضع مربك لقيادات النظام الحاكم التي تشابكت الخيوط في يدها، ومن هنا وعلى عكس ما ذهب إليه كثير من الناس ومن رموز المعارضة التي رأت وجوب مقاطعة الانتخابات.. فإنني أرى أنها فرصة قد تـُصاد بها سمكة ضخمة في الماء العكر، وعلى ذلك وبناءً على مقدرة شباب، ورجال ونساء الإخوان على تحريك جموع الناس يوم الانتخاب، وعلى حماية سلامة العملية الانتخابية، فقد يتحصلون على مكاسب غير متوقعة، ويبقى العلم عند الله ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 30).