كتب- هبة مصطفى ورضوى سلاوي وجهاد عادل وحمدي عبد العال:
كشف اليوم الأخير لاستلام طلبات الترشُّح لانتخابات مجلس الشعب 2010م عن كمٍّ هائل من المخالفات التي ارتكبها الحزب الوطني الديمقراطي بالتعاون مع مديريات الأمن المختلفة، التي عدَّها مراقبون تتويجًا لتجاوزات الحزب ومرشحيه على مدى الأسابيع الماضية؛ في انتهاكٍ صارخٍ للقانون ومخالفة فاضحة لتعليمات اللجنة العليا للانتخابات فيما يخص الدعاية الانتخابية.
وتنوعت تلك المخالفات التي رصدها الإعلاميون ومراقبون للعملية الانتخابية، بين تقديم أوراق المرشَّحين بعد انتهاء فترة التقديم في الخامسة من مساء أمس، مرورًا بمنع بعض المرشحين المستقلين من تقديم أوراقهم؛ بحجج واهية، وصولاً إلى تخصيص رموز بعينها لمرشحي الحزب، فضلاً عن رمزي الهلال والجمل.
ففي مديرية أمن القاهرة حشدت وزارة الداخلية قوات الأمن، واستعانت بالتعزيزات الأمنية وعربات الأمن المركزي لحصار المديرية، حتى تحوَّلت المنطقة إلى ثكنة عسكرية في الساعتين الأخيرتين من فتح باب تلقي الطلبات.
ولوحظ غياب جميع مرشحي الحزب الوطني عن تقديم أوراقهم، فيما أوكلَت المهمة إلى بعض المندوبين الذين ترأَّسهم الدكتور جمال السعيد، أمين تنظيم الحزب بالقاهرة، في خطوة أكدت مصادر داخل الحزب أنها جاءت لمنع أي اشتباكات أو مشادَّات بين مرشحي الحزب على المقعد الواحد في عدد من الدوائر "المفتوحة".
وقبل أن تتجاوز الساعة الثالثة عصرًا فوجئ الإعلاميون المحتشدون داخل المديرية بالدكتور السعيد يخرج من صالون الاستقبال متجهًا إلى لجان تلقي طلبات الترشُّح، إلا أنه عاد مرةً أخرى إلى الصالون.
وقبل حلول الساعة الخامسة بنحو 10 دقائق خرج السعيد حاملاً عددًا من ملفات مرشحي الحزب في الدوائر الـ23، بالإضافة إلى دائرتي "كوتة" المرأة، واستمر في الدخول والخروج من اللجان إلى ما بعد السادسة مساءً؛ في مخالفة صريحة لتعليمات اللجنة العليا للانتخابات وقرار وزير الداخلية.
وعلى الرغم من عدم ازدحام القاعة المخصصة لانتظار المرشحين كما في الأيام السابقة، وتأخر الحزب الوطني في تقديم أوراق مرشحيه إلى ما قبل انتهاء الفترة المحددة؛ فإن لجنة الانتخابات تعمَّدت رفض قبول أوراق بعض المرشحين المستقلين.
وبدت الانشقاقات في صفوف الحزب الوطني ظاهرة في ترشُّح البعض مرتين بصفتين في دائرتين مختلفتين، مثل إيهاب عبد المنعم محمد بدران وشهرته "إيهاب العمدة" الذي قام بتقديم أوراقه باعتباره مرشح الوطني عن دائرة (الزاوية الحمراء والشرابية) مقعد (عمال)، في نفس الوقت الذي تقدَّم فيه بأوراقه في دائرة (قصر النيل) مقعد (الفئات- مستقل)!.
الجيزة
وشهد اليوم الأخير للترشُّح في مديرية أمن الجيزة عدم استطاعة غالبية المستقلين تقديم أوراقهم للترشُّح؛ بسبب التعنُّت الكبير من قِبَل الموظفين المخوَّل لهم إكمال الإجراءات القانونية وخلق حجج واهية من أجل منع المرشَّحين من تقديم أوراقهم؛ ما أثار حالةً من الاستياء العام دفعت أكثر من 15 مرشحًا إلى الذهاب إلى محكمة جنوب الجيزة، للشكوى من سوء الإدارة والتعنُّت الذي قابلوه في مديرية الأمن الجيزة.
وأكَّد مصدر من داخل المديرية لـ(إخوان أون لاين) أن عدد المرشحين الحقيقيين الذين وجدوا داخل المديرية، ولم يتمكن أغلبهم من تقديم أوراقهم، بلغ 35 مرشحًا، بالإضافة إلى أكثر من 65 مرشحًا وهميًّا، دُفع بهم لتعطيل العملية وتضييع الوقت.
وحفل اليوم الأخير بعدد من المنشقين عن الحزب الوطني الذين حاولوا تقديم أوراق ترشُّحهم كمستقلين، وكان أبرزهم القيادي المنشق هشام عبد الآخر، الذي قدم استقالته من الحزب الوطني إلى شريف والي، أمين الحزب بالجيزة، بعد علمه أنه ليس على قائمة اختيارات الحزب في المجمع الانتخابي عن دائرة الهرم والعمرانية.
وحاول عبد الآخر أكثر من مرة تقديم أوراق ترشحه والاستعانة بمعارفه؛ لمساعدته على إنجاز العقبات الإدارية وتخطِّي دوره دون جدوى، وحالت العقبات التي وُضعت أمامه دون هذا؛ في محاولة من الحزب لمعاقبة المنشقين عنه وتضييع الفرص أمامهم.
وشهدت المديرية وقعة غريبة، فرغم التعقيدات الإدارية وعدم قدرة غالبية المرشحين- خاصة المستقلين والمعارضة- على اختراق الحواجز المتعددة التي وضعَت لعرقلة ترشحهم، فإنه وقبل ربع الساعة فقط من إغلاق باب الترشح حضر إلى المديرية نجل المحامي الشهير مرتضى منصور وبعض مساعديه؛ ليقدِّموا أوراقه للترشُّح عن دائرة الدقي والعجوزة، فضلاً عن ترشحه بدائرة إتميدة بالدقهلية، ونجحوا في هذا دون بقية المرشحين الذين حضروا منذ الصباح، ولم يتمكَّنوا من التقدم بأوراقهم؛ ما أثار غضب العديد من المرشحين الذين تعالت أصواتهم بالصياح؛ احتجاجًا على هذه المحاباة لبعض المرشحين دون الآخرين.
وأكد حسن بريك، مرشَّح مستقل عمال عن دائرة (الهرم والعمرانية) أنه منذ أسابيع وهو يلاقي تعقيدات في كل هيئة حكومية يذهب إليها لتقديم أوراقه، وأنه حاول بكل الطرق اليوم منذ الصباح الباكر الدخول وتقديم أوراقه لأسباب عدة، أولها: وجود عدد غير طبيعي من المرشَّحين الوهميين، وهم عبارة عن مخبرين وموظفين من شركات، والذين رفعو عدد الموجودين من 35 إلى أكثر من 85 فردًا.
وأضاف بريك أن الترتيب تغير لأكثر من مرة؛ لمنع المرشحين الأصليين من تقديم أوراقهم وجعلهم في مؤخرة الموجودين رغم حضورهم المبكر، وتمَّ تعطيل العديد من المرشحين من الدخول، رغم أن الوقت اليوم ممدود حتى الساعة الخامسة، فكان كل نصف ساعة يتمُّ المناداة على اثنين من المرشحين الوهميين، ويتم تأخرهما لأكثر من ساعة؛ بحجة إنهاء الأوراق ثمَّ يتمُّ المناداة على اثنين آخرين؛ لتضييع ساعة أخرى واستمر الوضع هكذا حتى انتهى الوقت القانوني؛ ولم يتقدَّم الكثير من الناس للترشُّح.
حلوان
وكان أبرز المخالفات التي شهدتها مديرية أمن حلوان تقدُّم أمانة الحزب الوطني بالمحافظة بأوراق مرشحيه، بعد الساعة الـ5 من مساء أمس الأحد، رغم إعلان اللجنة العليا للانتخابات انتهاء وقت الترشُّح في تمام الخامسة، فضلاً عن حصار المديرية بقوات غفيرة من الأمن، وحظر التواصل مع الإعلاميين أو مجرد اقترابهم من مقرِّ المديرية أثناء تقديم أوراق مرشحي الحزب.
وكان المرشح سعد أبو بطيحة "عمال" شاهد عيان على مخالفة الحزب الضوابط التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات، فيما يخصُّ مواعيد الترشيح؛ حيث قال إنه كان آخر المتقدمين بأوراقه، وإن الموظفين المختصين بتلقي الأوراق أكَّدوا له أنه آخر المرشحين؛ لأنه انتهى من استكمال أوراقه في تمام الساعة الخامسة، إلا أنه فوجئ أثناء خروجه بالدكتور عبد الحي عبيد، أمين الحزب بمحافظة حلوان، يدخل المديرية؛ ليبدأ في اجراءات تقديم أوراق مرشحي الحزب!، وهو الأمر الذي دفع الإعلاميين إلى التجمهر أمام المديرية، خاصةً بعد حالة التعتيم الإعلامي التي فرضتها المديرية منذ اليوم الأول للترشيح، بعد صدور تعليمات عليا ومشدَّدة للموظفين بعدم الإدلاء بأية بيانات تخصُّ المرشحين، وإغلاق قادة الحزب هواتفهم المحمولة وامتناعهم عن تسريب أسماء المرشحين.
يأتي هذا بينما اتهم عبد المنعم محمود، أحد المرشحين المستقلين على مقعد الفئات بالدائرة الثانية، رجب عبد الفتاح، مأمور قسم المعادي، بالتعنُّت ضده، بعد رفضه استخراج البطاقة الانتخابية للمرشح، رغم حصوله على حكم قضائي بأحقيته في الحصول على البطاقة، وحصوله على مستند يثبت قيده بالجداول الانتخابية برقم 98 بقسم أول القاهرة الجديدة، وأرجع التعنُّت ضده لنفوذ النائب محمد المرشدي مرشح الحزب على المقعد ذاته.
الشكوى ذاتها تكررت من المرشح أشرف عبد المنعم الجبالي، المرشح على مقعد الفئات بنفس الدائرة، مؤكدًا أن مأمور القسم رفض تسليم البطاقة له، ونصحه بعدم خوض المعركة أمام المرشدي.
ونزولاًَ على رغبة الحزب بترشيح 3 من أعضائه على مقعد العمال في الدائرة الأولى "حلوان"، رفضت مديرية أمن حلوان قبول أوراق محمود خفاجة حماد، للترشيح على مقعد العمال بالدائرة، بعد أن طلبوا منه ما يثبت الصفة الانتخابية له، وقام بتقديم أوراقه مرةً أخرى بعد أن غيَّر صفته إلى "فئات" إلا أنَّ التعنُّت ضده استمر بعد أن طلبوا أصل السجل التجاري له، ورفضوا ترشيحه بعد أن قدم أوراقه 4 مرات متتالية!.
بينما أعلن عبد الفتاح حسن مرشح (حزب الوفد) على مقعد "فلاح" بالدائرة الرابعة أطفيح انسحابه من العملية الانتخابية منذ بدايتها، بعد أن تقدم بأوراقه للترشيح للمرة الخامسة ويتمّ رفضها دون مبرر، كما شهد آخر أيام الترشُّح شكاوى بالجملة من مأمور قسم أطفيح؛ لامتناعه عن استخراج البطاقات الانتخابية لأية مرشح معارض أو مستقل، أو تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بهذا الشأن.
وجسَّدت ترشيحات الوطني التي ظهرت أمس مدى الانشقاقات التي طالت أعضاء الحزب، وهو ما دفع الحزب إلى إعلان بعض الدوائر، كحلوان، الصف، أطفيح أنها "مفتوحة"؛ لعدم قدرته على اختيار مَن يمثله بها، وتلافيًا لزيادة حجم الانشقاقات بين أعضائه، بعد أن هدَّد كل منهم بفضح ألاعيب الحزب في حال استبعاده بعد أن دفع مبلغًا كبيرًا من المال لترشيح الحزب له على المقعد.
ودفعت تلك الانشقاقات خليفة علي حسانين إلى الترشُّح كمستقل على مقعد العمال بحلوان، مهددًا بكشف المخالفات المالية داخل الحزب؛ ليعلن الحرب على الحزب، قائلاً: "أنا ما يهمنيش الحزب ولا اللي فيه"؛ الأمر ذاته الذي تكرر مع جمال غنيم رجل الأعمال، والذي قدم أوراقه أمس كمرشح "عمال- مستقل" بحلوان بعد عرقلة قبول أوراقه ورفض استلامها؛ لعدم وجود شهادة الميلاد؛ حيث قال له أحد قادة الأمن داخل المديرية: "طالما نسيت الشهادة ارجع بقى وما تقدمش ورقك بلاش مشاكل"، إلا أن غنيم أصر على تقديم أوراقه كمستقل.
فيما نشبت بعض المشادات بين عائلات دائرة الصف لتداخل كتلتها التصويتية بين مرشحي الحزب الثلاثة ممن اختارهم الحزب لتمثيله على مقعد العمال، وهم: محمد عرفه الصيفي، وجمال أبو عوض، والمقدم علاء عابد.
كوتة المرأة
ويعدُّ صراع المرشحات على كوتة المرأة هو الأقل حدةً، حيث لم يزد عدد المرشحات عن عشرة، ومنهم: أميمة صلاح الدين "فئات" وفايزة حسبو "عمال" (مرشحات الوطني)، بالإضافة إلى عدد قليل من المرشحات المستقلات، شهيرة عبد الشافي إبراهيم "عمال"، وكاريمان أحمد إبراهيم "فئات"، وهبة خلاف "فئات".
بينما تقدَّمت مشيرة أبو غالي، إحدى مرشحات الحزب على كوتة المرأة "فئات"، اليوم، باستقالتها من الحزب؛ احتجاجًا على عدم اختيار الحزب لها كمرشحة على قائمته، بعد أن تلقَّت وعودًا من مصادر مقرَّبة من قيادات الحزب بضمان المقعد.
6 أكتوبر
وفي مديرية أمن 6 أكتوبر وقعت مخالفات جسيمة في آخر أيام الترشيح أدَّت إلى تكدُّس المرشحين المستقلين في السرادق المعدة لاستبقالهم وسط حشد هائل من المجنَّدين، ومنحهم أرقامًا وهميةً، لم يتمكَن على إثرها سوى 3 مرشحين فقط من تقديم أوراقهم طوال اليوم.
ولم يتوقف الأمر عن هذا الحد بل تعدَّاه إلى سحب أجهزة المحمول الخاصة بالمرشَّحين؛ حتى لا يتمكنوا من التواصل مع العالم الخارجي أو بالإعلام أو محاميهم الذين منعوا من دخول المديرية، ولم يسمح بالدخول إلا للمرشحين فقط.
وبعد الساعة الرابعة تذمَّر الكثير من المرشَّحين؛ بسبب التوقف التام عن استلام الأوراق وفحصها، وتمَّت مواجهة ذلك بحيلة أخرى بإيهام المرشَّح أنه سيقدم أوراقه ويتمّ إبعاده عن مكان الانتظار وحجزه في غرف منعزلة برفقة 3 أمناء شرطة، وتمّ بالفعل حجز 5 ممن أرادوا تقديم أوراقهم فيما يشبه الحبس الانفرادي حتى الثامنة مساءً، ثم أُفرج عنهم بعد انتهاء وقت التقديم.