دور اللجنة العليا للانتخابات الذي نص عليه القانون هو الإشراف الكامل على الانتخابات، وتحقيق ضمانات النزاهة ومنع أية محاولة لتزييف إرادة الأمة، ولم يذكر القانون إطلاقًا أنها إحدى أدوات الحكومة لفرض ديكور إشرافي على العملية الانتخابية أو أنها أداة في يد وزارة الداخلية، ممثلة السلطة التنفيذية؛ للعبث بالمعارضة المصرية أو أنها لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم.

 

وكل تصريحات مسئولي اللجنة أو الدولة تسير في اتجاه تأكيد الشق الأول، وهو حيادة اللجنة وسيطرتها على مجريات الأمور، وهو الوهم بعينه الذي لا أثر له، إلا أن الشق الثاني وهو الذي يحدث بالفعل على أرض الواقع؛ حيث باتت اللجنة العليا الانتخابات لجنةً حكوميةً للانتخابات، تساعد النظام الحاكم من الألف إلى الياء، على الزعم بوجود "إشراف قضائي" في العلن، وتنفيذ مخططه في السر، إما توافقًا أو صمتًا أو مشاركةً.

 

وإلا فماذا تسمَّى دعاية الحزب الحاكم المبكرة التي تتحدَّى تعليمات اللجنة وعجزها عن التصدي لذلك، رغم إرسالها 3 خطابات وصفتها اللجنة بشديدة اللهجة إلى المحافظين قبيل فتح باب الترشيح، وماذا يعني اعتقال أنصار مرشحي الإخوان من منازلهم ومداهمة مؤسسات اقتصادية بسبب الانتخابات؟! وماذا يسمَّى تجاهل اللجنة لخطف مرشح الإخوان بسوهاج لمنعه من تقديم أوراقه أو خطف أبناء المرشحين للضغط عليهم؟ أو شطب 4 من مرشحي الإخوان بالإسكندرية على مقاعد العمال من الكشوف الابتدائية، رغم حصولهم على إيصالات رسمية تفيد بتسليمهم أوراقهم؟ أو ماذا يعني عدم وجود قضاة اللجنة في مقرها الرسمي في مصر الجديدة ووجود الموظفين فقط؟!

 

إن عجز اللجنة العليا للانتخابات بات واضحًا، ولا يحتاج إلى مزيد من بيان، والوقائع كثيرة ورُصدت على موقع (إخوان أون لاين) وغيره من النوافذ الإلكترونية والصحف الورقية النزيهة، ولكن اللجنة ما زالت متجمدةً في مكانها وكأنها غير معنية بالأمر.

 

بل القضاة أنفسهم مندهشون من توريط اللجنة العليا للانتخابات نفسها بهذا الشكل الفاضح في ممارسات تشين القضاء الذي يتنمي بعض أعضائه لها، وعدم إعلانهم عجزهم عن مواجهة تدخلات الحكومة والمطالبة بتحقيق استقلالية كاملة للجنتهم؛ مما حدا برموز تيار الاستقلال القضائي أن يؤكدوا لي أن القضاء ليس له أدنى علاقة بهذه الانتخابات، وأن أي حديث عن وجود إشراف قضائي في هذه الانتخابات هو تحريف للحقائق وعدوان على القضاء الشامخ وإقحام له في ممارسات عبثية لا تليق بأمجاده البطولية في انتخابات 2005م.

 

ولا يملك المرء إلا أن يترحَّم على نادي القضاة، الذي هبَّ ضد التزوير والتدخلات الحكومية في عام 2005م بقيادة المستشارين العظماء: أحمد مكي عضو المجلس الأعلى للقضاء، وزكريا عبد العزيز رئيس نادي قضاة مصر السابق، وفؤاد راشد الرئيس الأسبق للجنة تقصِّي الحقائق بنادي قضاة مصر، ومحمود الخضيري نائب رئيس محكمة النقض المستقيل، وغيرهم، من الذين أثبتوا أنه لا يزال يوجد في مصر قضاة لا يخشون إلا الله، رغم محاولات النظام الكثيرة تحجيم القضاة.

 

إن المعارضة في مصر- وعلى رأسها الإخوان المسلمون- باتت تواجه الحكومة بصدر عار وشهامة منقطعة النظير، وهنا تتزايد الأعباء على الشعب المصري في هذه اللحظة التاريخية؛ للذود عن حقه الدستوري في اختيار ممثليه تحت قبة البرلمان لتعويض غياب القانون والقضاة، فهذا قدر المصلحين الشرفاء في عصر الحزب الفاسد.

 

ولكن يظل السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: لماذا لم تقدم اللجنة العليا للانتخابات استقالاتها وتجمِّد عملها لحين تمكينها من حقها القانوني والدستوري في ظل عدم تمكُّنها في فعل شيء لنصرة الدستور والقانون وتنفيذ قراراتها؟!