تحقيق: يارا نجاتي
إنجازات هي الأكبر والأحق بالتسجيل؛ ليس في موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية، ولكن في الصفحات الأكثر سوادًا بتاريخ مصر، التي نقلها حكم الحزب الوطني إلى مؤخرة الدول النامية ومقدمة الدول الراعية للفساد؛ وذلك ما يدفع الحزب إلى إطالة أمد حكمه، والتقدم بنحو 550 مرشحًا على 508 مقاعد، يتم التنافس عليها في انتخابات مجلس الشعب المقبلة.
وباتت كلمة "أزمة" هي المرادف الطبيعي لكلِّ ملفات الشعب المصري وهمومه، فيما يأتي حل الحكومة ببيع الوطن والمواطن، وبلغ الأمر المستشفيات العامة التي قطعت وزارة الصحة شوطًا كبيرًا في خصخصتها، بعد أن سمحت مؤخرًا بتحويلها إلى عيادات خاصة للأطباء العاملين بالمستشفيات بتذكرة يحددها الطبيب نفسه!!.
وفي إحصائية حديثة أصدرتها لجنة الصحة بمجلس الشورى أكدت أن 99% من الشعب المصري غير قادرين على العلاج من الأمراض المزمنة أو الخطيرة، وكشف استجواب برلماني لوزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي عن إصابة 25% من الشعب المصري- أي حوالي (20 مليونًا)- بالفشل الكلوي، كما يدخل حوالي 40 ألف مواطن طوابير غسيل الكلى سنويًّا، ويلقى 90 ألف مصري حتفهم سنويًّا بسبب الفشل الكلوي.
وبلغ عدد مصابي الالتهاب الكبدي (سي) في عهد حكومات الوطني (5.7 ملايين) مواطن، بجانب مرضى السكر الذين يتعدون (8 ملايين)، ويصاب 100 ألف مواطن سنويًّا بالسرطان، وأمَّا الأطفال فأصبح 48% منهم مصابين بالأنيميا!.
وأكدت إحصائيات وزارة الصحة أن 9 فقط من كلِّ ألف خريج جامعة يصلحون صحيًّا للالتحاق بالخدمة العسكرية ويدافعون عن الوطن، فيما تنفق حكومة الوطني 4% فقط سنويًّا من الموازنة العامة للدولة على الصحة، وهي تقل كثيرًا عن نسبة الـ15% المتفق عليها عالميًّا، كأقل نسبة معقولة للإنفاق على الصحة.
أما عوار البحث العلمي في مصر فيكشفه تقرير حديث للجهاز المركزي للمحاسبات؛ حيث أكد الفجوة الكبيرة التي تفصل الجامعات المصرية عن تصنيف الجامعات العالمية، وهو ما ينعكس على إعداد خريجين غير مؤهلين علميًّا، ويعانون أمية حقيقية.
وبيَّن التقرير حقيقةً كارثيةً تمثَّلت في أن هناك قائمةً تضم أفضل 60 بحثًا في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، لا يوجد بينها بحث مصري واحد، في الوقت الذي ضمت القائمة 47 بحثًا من الكيان الصهيوني بمفردها، و7 أبحاث من جنوب إفريقيا، والمفاجأة أن السعودية دخلت القائمة بأربعة أبحاث ولكن لباحثين أجانب.
وذكر التقرير أن 70% من الأبحاث العلمية في مصر ضعيفة، وبعيدة عن العلوم الأساسية، وتتركز فقط في العلوم الإنسانية، موجِّهًا انتقادًا حادًّا إلى المسئولين عن التعليم في مصر.
وتؤكد تقارير الجهاز المركزي أن أداء الخدمة التعليمية بالجامعات الحكومية يتسم بالتخلف وعدم القدرة على الأخذ بمستحدثات العلم والمعرفة، مشيرًا إلى معاناة الجامعات من مشكلة الأعداد الكبيرة من الطلاب، وعدم كفاية أعضاء هيئة التدريس بها، وأيضًا عدم توافر احتياجات الجامعات من الأجهزة والخدمات والمستلزمات، وسوء حالة العديد من المنشآت التعليمية والمرافق المكملة لها، وتردِّي حالة بعض المكتبات، موضحًا أن هناك هبوطًا واضحًا في مستوى الدراسات العليا بالجامعات، وعدم كفاية الاعتمادات المالية المخصصة لتوفير احتياجات الجامعات.
80% أغذية فاسدة
مصادرة كميات من الأغذية الفاسدة
وينفرد الحزب الوطني الحاكم بتقديم نحو 80% من الأغذية المتداولة في الأسواق فاسدة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي، التي تمثل مصدر الغذاء لأكثر من 55% من المصريين؛ أي ما يعادل 44 مليونًا من السكان، وهو السبب الرئيسي وراء تدهور الصحة العامة في مصر.

وبحسب دراسة أعدَّتها الدكتورة داليا حسن، أستاذ علوم التغذية والسموم بجامعة القاهرة، فإن 80% من الأغذية المتداولة في الأسواق فاسدة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي، وهو السبب الرئيسي وراء تدهور الصحة العامة في مصر، وإصابة المصريين بالعديد من الأمراض، خاصةً الأمراض البكتيرية والفيروسية والطفيلية المزمنة والحادة، إضافةً إلى إصابة الآلاف بفيروس التهاب الكبد الوبائي (أ) والأورام السرطانية، والفشل الكلوي والكبدي.
ويعتمد أكثر من 61% من شريحة الفقراء في طعامهم على البقوليات، خاصةً الفول والعدس كبديل بروتيني نباتي عن البروتين الحيواني، وفق الدراسة.
هذا فضلاً عن الارتفاع غير المسبوق في أسعار الخضروات واللحوم التي فاقت قدرات أغلب أفراد المجتمع المصري، الذي اضطر منذ أسابيع إلى مقاطعة الطماطم واللجوء إلى الصلصة المعلَّبة، بعد وصول سعر كيلو الطماطم إلى 13 جنيهًا، وأمَّا اللحوم فيتراوح سعرها ما بين 60 جنيهًا وحتى 90 جنيهًا، فيما تصرُّ حكومة الحزب الوطني على عدم رفع الحد الأدنى للأجور عن 400 جنيه.
وأكد مستشار وزير التجارة والصناعة أن أكثر من 30% من الثروة الحيوانية في مصر ضاع خلال السنوات القليلة الماضية؛ بسبب الأمراض التي أصابتها؛ ما يسهم في ارتفاع سعر الجلود، ومن ثمَّ الأحذية، كما حدث خلال عام مقاطعة اللحوم قبل 35 عامًا ارتفعت على إثرها أسعار الأحذية ثلاثة أضعاف، وتحول عدد كبير جدًّا من المستثمرين إلى بيع الأحذية.
الفقر المدقع
وتتجه الحكومة إلى إلغاء الدعم على السلع الأساسية التي ارتفعت وتضاعفت أسعارها، وبلغ الدعم في موازنة هذا العام نحو (73.4) مليار جنيه، بعد أن كان في العام الماضي (132) مليار جنيه.
ولم تدخر حكومات الوطني جهدًا في سبيل زيادة معدلات الفقر؛ حتى تصل بها إلى أعلى المعدلات العالمية، فقد اعترف الدكتور وزير التنمية الاقتصادية عثمان محمد عثمان بأن معدل الفقر في مصر أكثر من 20% من نسبة السكان، مؤكدًا أن خفض الفقر يعتمد على تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع.
ويؤكد تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2010م أن (27.5) مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر بنسبة 21.6% من سكان مصر، وأن (7.5) ملايين مواطن يعيشون تحت خط الفقر المدقع بنسبة (6.1)% من السكان.
بطالة
وتطورت أزمة البطالة في مصر حتى بلغت نسبتها نحو 27% بحسب الإحصاءات غير الرسمية، وتقول بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إنها وصلت إلى 9.12% في النصف الأول من العام 2010م.

وفي المجال الزراعي تقلَّصت مساحات الأرض المنزرعة وتمَّ تبويرها، حتى ما تبقى منها كشف تقرير رسمي أصدره مركز البحوث الزراعية عن انخفاض إنتاجية محاصيل الخضراوات والفاكهة بنسبة بلغت أكثر من 70% مقارنةً بإنتاجية العام الماضي من هذه المحاصيل؛ ما أدَّى إلى انخفاض حادٍّ في الإنتاجية وقلة المعروض في الأسواق؛ ما أدَّى إلى ارتفاع أسعارها بنسبة بلغت أكثر من (300)% مقارنة بأسعار العام الماضي.
هبة النيل
حتى النيل لم تتركه حكومة الوطني وتجاهلت 29 مصنعًا و300 فندق تضخ مخلفات كيمياوية في النيل، كما جاء في تقرير التوصيف البيئي الصادر عن وزارة البيئة المصرية في عام 2009م، انتهاءً بشبكة المياه المتهالكة، والتي تُسبِّب الكثير من تلوث المياه التي يشربها المصريون.
وتضمن تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان- الذي صدر تحت عنوان "تلوث المياه قنبلة موقوتة تهدد حياة المصريين"- أن حوالي 38 مليون شخص يشربون مياه ملوثة، وقال إن الملوثات الصناعية غير المعالجة أو المعالجة جزئيًّا التي يُقذَف بها في عرض المياه تقدَّر بنحو 4.5 ملايين طن سنويًّا.
ويشير التقرير إلى ارتفاع نسب حالات التسمم الناتج من التلوث في محافظات مصر، فكان نصيب العاصمة القاهرة 35% منها، و12% في محافظة الجيزة، و50% في محافظة القليوبية؛ ما يتسبَّب في إصابة نحو 100 ألف مصري بالفشل الكلوي سنويًّا.
ويرصد الخبراء الإنجازات التي يراهن عليها الحزب الوطني في ترشُّح أعضائه لانتخابات برلمان 2010م، كالتالي:
شريحة محددة
يؤكد الدكتور عبد الرحمن عليان، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة عين شمس، أن هناك عددًا من المعايير التي تشير إلى تقدُّم المجتمعات ونهضتها، وعندما ننظر إلى وضعها مجتمعةً نجد أن المجتمع المصري لم يتقدم اقتصاديًّا طوال السنوات الماضية، موضحًا أن معايير تحسن الاقتصاد هي ارتفاع مستوى دخل الأفراد، مع ارتفاع معدلات التنمية، وتوزيع العائد من التنمية.
ويبرهن على عدم تحسن تلك المعايير بعدم وجود عدالة في توزيع العائد النهائي للتنمية على جميع أفراد الشعب، أمَّا على مستوى المواطنين فيقول: إن المجتمع بالكامل لم يتقدم إلى وضع اقتصادي سليم بل تأخر؛ حيث دخل عددٌ أكبر من المواطنين تحت خط الفقر، بجانب أن الخدمات الطبية قد تحسَّنت في المجتمع، إلا أنها لم تعُد على المجتمع بشكل واضح، فضلاً عن أن ترتيب مصر بين الدول اقتصاديًّا لا يتقدَّم مطلقًا.
ويضيف أن هناك الكثير والكثير من العوامل الأخرى التي تحدد تقدم الدول ظهرت في مصر بشكل عكسي، ومنها ارتفاع معدلات البطالة، وفساد سياسات التشغيل؛ حيث تحول التعيين في مصر إلى الاعتماد على نظام الواسطة لا الكفاءة، مستطردًا: حتى عناصر الحرية والديمقراطية التي تمثل مظهرًا من مظاهر تقدم الشعوب، يحصل عليها الشعب في بعض الأحيان، لكنَّ الحكومة تعدُّها هبةً وليست حقًّا فتسحبها وقتما شاءت.
ويؤكد أن كل ما تمَّ من تقدم اقتصادي في مصر توجه نحو شريحة محددة وضئيلة جدًّا من المجتمع؛ حيث وزّعت عليهم عوائد التنمية الاقتصادية، ضاربًا المثل بموافقات الاستثمار في مصر التي لا تتم سوى لِمَن يدفع أكثر، إلى جانب أن معظم أراضي الدولة التي خصصها وزراء الإسكان السابقون كانت لحزمة من رجال الأعمال لا تزيد عن 12 فردًا حصلوا على أغلب أراضي مصر.
حكومة الأمراض!
د. محمد حسن خليل
أما الدكتور محمد حسن خليل، استشاري أمراض القلب ورئيس "اللجنة الوطنية للدفاع عن الحق في الصحة"، فيوضح أن الحزب الوطني وحكومته لم يقدما للمواطن المصري أي شيء على الإطلاق، سوى أنها أدَّت إلى إصابته بالأمراض المختلفة، فبدلاً من أن تقدم له العلاج زادت من عدد الأمراض التي تصيب المصريين.

استعمار
ويوضح أبو العز الحريري، القطب اليساري المعروف، أن الحزب الوطني وحكومته سلبا الشعب طوال سنوات حكمه، ولم تعطه شيئًا في المقابل، مؤكدًا أن التزوير الذي يتم في كلِّ انتخابات- والذي ظهرت بداياته من خلال العرقلة وشطب المرشحين- ما يشير إلى أن الحزب لا يستطيع تقديم شيء، فيقوم بالتزوير؛ لمعالجة الأوضاع الخاطئة التي رسخها في المجتمع الذي لم يعد يقبل مرشحيه.
ويشير إلى أن إلغاء الحزب الوطني مؤتمره الانتخابي يوضح أنه يهرب من تقديم كشف الحساب الذي يفترض أن يقدمه أي حزب في مؤتمره العام إلى الجماهير، ويتوقع ألا ينعقد ذلك المؤتمر إلا بعد تزوير الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية، ويذكر بعض الفشل الذي قامت به حكومة الحزب الوطني مؤخرًا، ومنها الاستيلاء على مئات الملايين من أموال التأمينات، والـ1000 قرية الفقيرة في مصر، قائلاً: إن الفقر وصل إلى حدِّ ظهور إعلانات عن كفالة قرى بكاملها!.
ويتابع قائلاً: الحزب الحاكم يشعر بفشله أمام المواطنين؛ لذلك يلجأ إلى دخول مُرَشَّحَيْن أو ثلاثة على نفس المقعد، لكي لا يفشل فشلاً ذريعًا كعادته، موضحًا أن واقع الحزب على مدار الأربعين عامًا الماضية يؤكد أنه يتجه بالمجتمع إلى مزيد من البؤس والفقر والفساد، من خلال هدم القطاع العام، والاقتصاد المصري، واستخدام العنف والطوارئ ضد حرية التعبير والمعارضة.
ويضيف: السلطة المصرية أصبحت ضد الدولة والمجتمع والكيان المصري بالكامل، كما لو أننا في استعمار، حتى أيام الاستعمار تزوير إرادة الناخبين لم يكن بأيدي المستعمر، بل بأيدي السلطات المصرية.
استبداد
وفي مجال حقوق الإنسان يؤكد جمال بركات، المحامي ورئيس مجلس أمناء مؤسسة (عدالة) ومدير مكتب الشكاوى بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، أن مصر لم تحقق أي تقدمٍ في أغلب المجالات المتعلقة بحقوق الإنسان، سوى في القليل من المجالات، كبعض الخدمات العامة.
ويرجع السبب في عدم حصول الشعب المصري على أغلب حقوقه البسيطة؛ إلى ضعف الوعي لدى المواطنين بتلك الحقوق والمطالبة بها؛ نتيجة استبداد الحكومة بكلِّ أمور الشعب، واستحواذها على التصرف في شئون البلد وحدها، قائلاً: إن ثقافة المسئول المتحكم في كلِّ شيء ترسَّخت في أذهان المجتمع، فابتعد الناس عن المشاركة.