تعيش بلادنا في ظلام دامس بسبب المظالم التي تفشت بين العباد، ابتداءً من نظام يحكم شعبه بالتزوير والاستبداد والفساد، وقمع الحريات، وإجهاض حركات الإصلاح، وانتهاءً بتنازع بين الأفراد على متاع الدنيا الزائل، ولن يشرق الفجر وتشرق شمس الحرية والإصلاح إلا بمقاومة الظلم والظالمين، وهي مسئولية الجميع إن أردنا التغيير ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) ونذكر بسوء عاقبة الظالمين حتى نأمرهم بالكف عن ظلمهم ونتصدى لهم بكل الوسائل المشروعة والشرعية بضوابط الإسلام التي تعلمناها، وفي قرآننا الكريم ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: 18)، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَار﴾ (إبراهيم: 42)، ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: 42)، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227).

 

ومن قبس النبوة يقول النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (رواه البخاري ومسلم)، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي.. إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي.. كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي.. إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي.. إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي.. لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي.. لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي.. لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي.. إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ" (رواه مسلم).

 

والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقيل الجور ومجاوزة الحد، ولو أسقطنا هذا على ما تعيشه البلاد من أجواء انتخابات مجلس الشعب، فنجد الظلم يتمثل في لقطات كثيرة نشاهدها على مسرح العملية الانتخابية، فكل من يختار مرشحًا وهناك من هو أفضل منه في قضاء مصالح الناس والحفاظ على حقوقهم وإقامة دينهم؛ فقد خان الله ورسوله وظلم نفسه، وكل من تعدَّى على غيره بقول أو فعل أو غير ذلك فقد ظلم غيره، وكل من ساهم في تغيير إرادة الأمة بالتزوير على أي مستوى، ابتداءً من التقدم بأوراق الترشيح، وطمس دعاية الغير، والتفريق بين المرشحين في إعطاء الفرص في وسائل الإعلام والجولات والمؤتمرات، فيعطي الفرصة لهذا، ويمنعها من ذاك فقد صعد في سلم الظلم لدرجة عالية، ثم تهوى به أعماله في مكان سحيق، وكل من ساهم من الموظفين أو رجال الشرطة في سرقة إرادة الأمة بالتزوير، أو منع الناس من دخول اللجان للتصويت؛ بحصارها بقوات الأمن، كما رأينا؛ فحسابهم عند الله عسير يوم لا ينفع منصب ولا جاه، ويكفي أن يعلم الجميع أن حق المسلم في أي مجال له قيمة عظيمة في هذا الدين، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ" (رواه مسلم).

 

انظر وتأمل في شأن كل من أخذ حق إنسان في تمثيل إرادة ناخبين يقدرون بالآلاف، وسلب إرادتهم كيف يكون حاله..؟   وكيف يكون مآله..؟!، إننا جميعًا يجب أن نصرخ في وجه كل من يركن إلى الذين ظلموا حتى ننقذه من النار، وحتى لا يبيع آخرته بعرض حقير من دنيا فانية، ولا يتعلل ويقول أنا مضطر، أو هذا عملي الذي أتكسب منه، أو أنا عبد المأمور.. إلى غير ذلك مما نسمع.

 

فيا قومنا.. انتبهوا من قبل أن يأتيكم الموت بغتة وأنتم لا تشعرون يقول الله عزَّ وجلَّ ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113).

 

وأنتم أصحاب دعوة الإسلام عليكم بذل أقصى الجهد في مقاومة الظلم والظالمين، فأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وأدوا شكر نعمة الله أن جعلكم كتيبة المصلحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ولم تكونوا من المثبطين أو المسالمين المشاهدين لغرق سفينة البلاد، ولم يتحركوا لإنقاذها وإنقاذ أنفسهم ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 25)، إن الظلم هو سبب هلاك الأمم ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (الكهف: 59)، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (القصص: 59)، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (النمل: 52)، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102).

 

فيا أصحاب الدعوة ويا كل مسلم تقي صالح مصلح.. انهض وحرِّض غيرك من المؤمنين على الوقوف في وجه الظالمين، واحتسب أي ابتلاء عند الله عزَّ وجلَّ، ولا تيئس ولا تحزن فجولات الحق والباطل عديدة، ولكن العاقبة للمتقين ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18)، ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81).

 

وأخيرًا.. نذكِّر بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا ظَالِمًا فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ" (رواه أبو داود والترمذي)، اللهم قوِّنا على الحق، وثبِّتنا عليه، وأذهب هيئة الظالمين من قلوبنا، وأرنا فيهم آية، وارفع للحق راية، واجعلنا من حزبك فإن حزبك هم المفلحون.