![]() |
|
م. محمد كمال |
حالة الشلل الرعاش التي أصابت النظام المصري الآن، تؤكد صحة قرار الجماعة بخوض معركة الانتخابات؛ فالنظام يتخبط في كلِّ قراراته كما لو كانت الانتخابات قد فاجأته وأتت على غير موعدها.. وإلى الآن لم يستطع أي مراقب أن يضع علامة (صح) أمام قرارٍ واحدٍ اتخذه النظام في عملية الانتخابات، فقانون الانتخابات مرفوض، وقرار لجنة إدارة الانتخابات مرفوض، وأعمال وتصريحات لجنة الانتخابات مرفوضة، وسلوك الأمن مشين ومفضوح.
والنظام أصابته حالة (عَتَه) فيما يتعلق بالأحكام القضائية، ويرفض تنفيذها ويتعامل معها كأي محامٍ رخيص يقبل قضايا التلبس بالدعارة أو المخدرات.
والنظام فَقَدَ رشده في التعامل مع حقوق طبيعية للمرشحين مثل الدعاية والمسيرات الانتخابية، فتصدَّى لها بجيوش الأمن المركزي، وضرب في الفاضي والمليان.. وسحل وطمس وخطف.
والنظام قد أصابته حالة شيزوفرينيا كلامية؛ ففي الوقت الذي تُعلن فيه كل الصحف والفضائيات عن ملاحقة الإخوان والصدام بهم، وضرب المرشحين، وإصابة النواب، في هذا الوقت تعلن الداخلية أسفها للمواطنين الذين تعرَّضوا للعنف.. بسبب ممارسات الإخوان!!
أما كُتَّاب الصحافة والإعلام الحكومي.. فرغم توقعنا لما سيفعلونه من كذبٍ وتدليس، فلم نكن نتوقع أن يصل بنا الحال إلى "الإشفاق" عليهم!!
إذًا هل يتصور أحد أن مصر قد تطوَّرت، واقتربت أغلب مشكلاتها الكبرى من الحل؟ وأن المستوى المعيشي قد ارتفع؟ وأن الشباب ينعمون بفرص عمل متزايدة؟.. هذا كلام (الأهرام) و(الأخبار) و(الجمهورية)!!
وهل يتصور أحد أن اللقاءات الثلاثة التي جمعت الأحزاب والمعارضة، والتي نشرت عنها جميع الصحف والفضائيات تقريبًا، هي لقاءات سرِّية لقلب نظام الحكم، والدليل على ذلك ما قاله المستشار الخضيري والدكتور عبد الجليل مصطفى وممدوح قناوي و.... أي والله.... هذا كلام طارق حسن رئيس (الأهرام المسائي).
هل يتصور أحد أن يُسقط "المصور" بُرقع الحياء للمرة الثالثة، فبعد اختلاق وثيقة "التمكين" في قضية "سلسبيل" ثم اختلاق وثيقة "فتح مصر" قبل محاكمة الشاطر وإخوانه.. والآن يختلقون وثيقة الشهادة على الصناديق لصاحبها د. عبد الرحمن البر...؟!
وهل يتصور أحد أن يمنع النظام برنامج (توك شو) لقناة (B.B.C) من التصوير في مصر لمجرد دعوة د. حلمي الجزار كأحد ضيوف البرنامج؟
ومن يتصور حالة شق الجيوب ولطم الخدود التي يمارسها برنامج (مصر النهاردة) تحذيرًا من الغول المتوحش الخطير على أمن مصر.. الإخوان؟.
بل إنَّ المجتمع عليه أن يصدق أن اعتقال 1300 من رجال الإخوان وأشبالهم... ليس بسبب أعمال الدعاية لمرشحيهم.... ولكن بسبب انتمائهم لجماعة "محظورة" بالمخالفة للقانون.... هذه اتهامات النيابة لهم...؟!.
وأخشى أن يصاب الإعلاميون خارج مصر بفقدان النطق... من تبرير النظام لاعتقال مراسل الجزيرة نت الإعلامي/ بدر محمد بدر... إذ رشَّح الإخوان زوجته/ عزة الجرف في 6 أكتوبر... فاعتقلوه هو...؟! أما محمد مدني مراسل (إخوان أون لاين) فكان نصيبه الاختطاف؛ لأنه ضبط النظام متلبسًا بضرب صبحي صالح وأنصاره في دائرة الرمل، وما زال المراسل يدفع ثمن شقاوة صبحي وإخوانه!!
أما ثالثة الأثافي... والتي أظهرت الوجه الكالح للنظام المجنون... فهي محاولة اغتيال د. الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان، حين هَجَمَ عليه أحد بلطجية الحكومة ببلطة كادت تذهب بحياته، دون حساب لتبعات ذلك وعواقبه.
والحقيقة... إن الإخوان توقعوا أغلب ما حدث، أما حالة التشتت والتمزق التي يمر بها النظام فيصعب أن ترد على أذهان المراقبين؛ إذ إن النظام قد نجح في إظهار تماسكه المشهود في مواجهة معارضيه على مدار الأعوام الثلاثين السابقة، وقد لاح هذا الارتباك بشدة يوم ذهب الدكتور/ بطرس غالي إلى أمريكا مدافعًا عن النظام، ومؤيدًا موقفه بمقال بجريدة (واشنطن بوست) والذي أظهر فيه حجم التطور بمصر، ومعترفًا بعيوب النظام، ومؤكدًا على محاولة التصويب والاستدراك لهذه العيوب، ثم محذِّرًا من مغبة الضغط الأمريكي الشديد عليه، والتي سيكون من نتيجتها قفز الإخوان إلى سدَّة الحكم.
وإذ لم يقتنع الأمريكيون بهذه الزيارة فكان التعبير الحقيقي عن أزمة النظام هو التحرك باتجاه العرب؛ فالنظام الذي حاول أن يقدم نفسه مصحوبًا بمساحيق التجميل والتزييف الإعلامية.. لم يستطع إلا العودة إلى طبيعته السلطوية الاستبدادية، وفَضَحَته ممارساته، ونجح الإخوان في تعريته أمام العالم... وتحدث الإعلام العالمي ونَقَلَ الصورة الكئيبة للحليف المصري أمام القراء، فكانت الضربة الموجعة من لجان أمريكية وأوروبية رسمية، والتي أدانت النظام المصري وممارساته وتضييقه على المعارضة، ثم طلبت رسميًّا المراقبة الدولية، ليثبت أمام الجميع الى أيّ درك هبطت مصر، وكان رد النظام بالقوة المعهودة على الأنظمة الفاسدة إذ صرَّحوا بعدم قبول التدخل في شئون مصر!!.. ولكن الجميع يعلم أن هذا كلام للاستهلاك الإعلامي، وأن الغضبة الأمريكية لها كل الاحترام والخضوع... ومن هنا طلب من عدوه التي يتمنى له الغلط "قطر" ليجمل صورته أمام حبيبه الذي كان يبلع له الزلط (أمريكا).
إنها قطر التي توترت العلاقة معها منذ صيف 2006م عقب الحرب الصهيونية على لبنان، لكنها تستطيع أن تحيِّد قناة (الجزيرة) حتى لا تقوم بالتغطية الأمنية لأحداث الانتخابات، وحتى يستعمل الأمير القطري علاقته الطيبة بأمريكا والدولة العبرية؛ لتخفيف الهجوم على النظام.
إن اللقطة الأخيرة لممارسات النظام– قُبيل انتخابات الرئاسة- ستكون القمع المفضوح، والذي سيحرج حلفاء النظام أمام شعوبهم.
كما ستكون صورته هي حالة الضعف والخور التي تجعله يفشل في حلِّ مشكلة كنيسة في العمرانية، أو مشكلة بنت أسلمت أو أخرى تنصرت؛ إنه يستطيع تخويف الأقباط من الإخوان، لكنه لا يستطيع أن يحوز ثقتهم.
ويوشك رجال الأعمال المقربون للنظام أن ينفضوا عنه مع أول إشارة من الحليف الجديد الذي سترضى عنه أمريكا.
إن قشعريرة البرد تتمدد في أوصال النظام بعد أن وجد نَفْسَه وحيدًا، وإن الأعوان والمنتفعين لم يعودوا قادرين على التغليف الجيد للبضاعة الرديئة.
يا ليت النظام قد لجأ إلى شعبه وصالحه، فلربما عفا عمّا مضى بطيبته المعهودة، ويا ليته حسم الصراع السياسي بطريق الدستور والاحتكام للشعب، بدلاً من طرق أبو غرماء هذا يعطيه وهذا يمنعه.
إن حزنًا يملأ القلب من الصورة المنتكسة لحكامنا أمام شعوب العالم.... لكنها تعكس نتائج الصمود الأسطوري للإخوان والشرفاء في مواجهة النظام البوليسي.
بقي أن يصطف الإخوان ويلعقوا جراحاتهم، ولا يعبئون بتهديد أو وعيد، كما ينبغي أن يلحظوا نتائج جهادهم التي– طالما- شكك فيها المشككون.
