د. أحمد عقيل

لا يخفى على عين مدقِّق حالة التوتر التي تسيطر على النظام الحاكم في مصر، منذ بدء حملة الانتخابات التشريعية، ولا شك أن هذه الحالة تزداد كلما اقترب موعد الانتخابات حتى بدا المشهد في ساعاته الأخيرة وكأننا أمام حرب حقيقية يشنُّها النظام على الإخوان المسلمين، ويستخدم فيها كل الأسلحة.

 

النظام المصري كان يأمل أن يقاطع الإخوان الانتخابات، ولا شك أن ذلك كان سيوفِّر عليه الجهد، ويكفيه فضيحته أمام العالم، وربما أعطاه ذلك شرعيةً، خاصةً إذا حصلت أحزاب المعارضة الشكلية التي ليس لها أرضية حقيقية على عدد مقاعد؛ ليعطي في النهاية انطباعًا بالنزاهة.

 

النظام الآن يستخدم كلَّ وسائله في هذه المعركة، بدءًا من طمس الـ"بوسترات"، وتمزيق اللافتات، والتضييق على المسيرات والجولات الانتخابية، وصولاً إلى اعتقال أنصار المرشحين من المسيرات، والجولات، واستخدام وسائل غير مسبوقة؛ ومنها الرصاص الحي كما حدث في الإسكندرية، وصولاً إلى عمليات تعذيب وانتهاكات غير مسبوقة تجاه أنصار المرشحين، التي رصدتها الكثير من المنظمات الحقوقية.

 

النظام في ظلِّ حالة التوتر هذه عمد كذلك إلى حرب الدعاية؛ لتشويه صورة الإخوان، واستخدم فيها الـ"بوسترات" التي تهاجم الإخوان في الشوارع، فضلاً عن حملة إعلامية غير مسبوقة تسابقت فيها قيادات الحزب الوطني في مهاجمة الإخوان، والتحريض عليهم، هذا بخلاف تضييق شديد على وسائل الإعلام في متابعة ما يجري.

 

في المقابل لم يستطع الحزب الوطني تقديم نماذج يستطيع الشعب أن يثق فيها، وبدا الحزب مترنحًا بعد استبعاد الكثير من مجمعه الانتخابي؛ الأمر الذي أدَّى إلى انقلابهم على الحزب، والسعي لإسقاط مرشحيه، كل ذلك في ظلِّ الفشل الكامل لهذا النظام في إدارة الدولة، وانهيار منظومة الخدمات، وغياب كامل لدولة عن قضايا المواطنين، وفشل في حل مشكلات الشعب.

 

من ناحيةٍ أخرى هناك أحكام قضائية يضرب بها النظام عرض الحائط ويتجاهلها، وهناك سيطرة كاملة لوزارة الداخلية على إدارة الانتخابات، واللجنة العليا للانتخابات سلَّمت أمرها للداخلية، ولم يعد لها حول ولا قوة، ولم تستطع إدراج اسم المرشح عصام مختار، رغم ما حصل عليه من أحكام قضائية، وهناك الآن أحكام بوقف الانتخابات في محافظاتٍ كاملة، وأحكام أخرى بإصدار توكيلات لمندوبي المرشحين الذين امتنعت الجهات الإدارية سواء الشهر العقاري أو أقسام الشرطة عن إصدارها، وأحكام بالاعتداد بتوكيلات الشهر العقاري دون ختم قسم الشرطة، وإلزام اللجنة العليا بذلك.

 

كل هذا المشهد يهدد شرعية النظام من أساسه، خاصةً أن هذا المجلس هو المجلس الذي سيقسم أمامه الرئيس القادم، ما يضع شرعية النظام بالكامل على المحك، وستكون مهزلة كبرى إذا أقسم الرئيس القادم أمام برلمان تمًّت انتخاباته في ظل أجواءٍ من القمع، وتم فيها تجاهل أحكام القضاء الملزمة، واقترنت بتزوير فاضح.

 

رغم كل ذلك تبقى قدرة الشعب على الحركة والتغيير هي العامل الأقوى والمؤثر الأول، ويبقى دور القوى الوطنية سواء المشاركة والمقاطعة في التصدي للتزوير باعتباره جريمةً كبرى في حق مصر وفي حق شعب مصر.

 

وتبقى قبل ذلك إرادة الله هي النافذة رغم كل شيء.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).