تمر بخاطري  صور متعددة منها ما قرأته ومنها ما رأيته وكل ما أفعله الآن رصد هذه الصور ثم أترك للقارئ العزيز مهمة ربط الصور بعضها ببعض.

 

الصورة الأولى: ما بين الشاطئين

قرب ساحل البحر الأحمر.. موسى عليه السلام يقود الفقراء والضعفاء من بني إسرائيل الذين بلغوا ستمائة ألف رجل وامرأة وطفل فروا من الظلم والتعذيب والذبح  وتركوا لفرعون وجنوده الجمل بما حمل، تركوا ديارهم والبلاد التي وُلِدوا وعاشوا  فيها، وكان يمكن لفرعون أن يدعهم وشأنهم، خاصةً أن مطالب موسى له لم تكن منازعته سلطانه أو محاربته على عرش مصر.. بل كل ما طالب به.. أرسل معي بني إسرائيل.. يعني اتركنا لحال سبيلنا فقط.. ولكن يأبى عناد فرعون وكبره أن يتركهم لحالهم وحاصرهم بين البحر الهادر من الأمام  والجيش المدجج من الخلف.. هنا صرخ بنو إسرائيل بهلع.. إنَّا لمدركون.. موسى كان واثقًا في وعد الله: ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ (هود: من الآية 81).. فقال بثقة قد لا يستوعبها الناس في هذا الموقف العصيب.. كلا إن معي ربي سيهدين.. فيأتي المُخرج والفرج، وينشق البحر؛ ليعبر موسى ومن معه.. وهنا يضطرب جنود فرعون من المشهد المهوِّل، فيتقدم رئيس الوزراء والمتحدث الإعلامي للقصر الفرعوني هامان..هاتفًا في الجنود.. أرأيتم..؟ لقد انفلق البحر لربكم الأعلى فرعون العظيم.. هذه إحدى معجزاته لتتيقنوا أنه إله معبود ورب مطاع.. ويلتقط الجنود الطعم، ويصدقون الكذبة،  ويخوضون غمار البحر وراء فرعون وهامان ليغرقوا جميعًا.. وعلى الضفة الثانية يقف بنو إسرائيل مع موسى؛ ليجففوا أقدامهم من ماء البحر وتلقي الأمواج جثة فرعون تحت أقدامهم لتكون الآية على أنه عبد من الأنطاع، وليس ربًّا معبودًا كما زعم وكما عاش بنو إسرائيل سنوات طويلة في ظل هذا الوهم الكاذب.. تُرَى كم ساعة مرت على بني إسرائيل منذ وقفوا يرتعدون رعبًا وفرقًا من مصيرهم المنتظر على يدي فرعون وجنوده، وهم يصرخون إنَّا لمدركون وبين وقوفهم على جثة فرعون الملقاة على شاطيء البحر الآخر..؟ كم من الزمن عاشته الدنيا ليحدث هذا التغيير الكبير، ولتنقلب صورة المستضعفين في الأرض والمستذلين فيها إلى ملوك ممكنين لهم العزة القعصاء والمجد العزيز  بِمَنِّ الله وفضله..؟ وقبل أن أترك المشهد المهيب أتذكر حوارًا دار مع أحد الإخوة ونحن في مخيم عرفات في حج هذا العام.. وقلت له أنظر كيف جنى ظلم فرعون وطغيانه على هؤلاء البؤساء من الجنود وهم أبناء الشعب المصري المغلوب على أمره، فقال لي جملةً رائعةً.. هؤلاء المصريون حضروا بالمئات والألوف يوم الزينة، وشاهدوا مواجهة موسى مع السحرة، وكيف كان نصر موسى؟ وكيف آمن السحرة به ثم خرجوا من اللقاء الحافل وهم يتسامرون ويثرثرون..أرأيتم ما حدث بين موسى وفرعون..؟ أرأيتم عصا موسى، كيف لقفت الحبال والحيات المصطنعة..؟  وقال صاحبي لو أن كل مصري من شهود الواقعة ألقم فرعون بحجر صغير في هذا اليوم المهيب لتغير وجه الدنيا ولصار لمصر تاريخ مخالف تمامًا لعلاقة حكامها بمحكوميها بعد ذلك.. ولكن إرادة الله غالبة ليحقق قوله: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (الزخرف: من الآية 54). وكما قال الشيخ محمد الغزالي: "كم يجني الطغاة على شعوبهم ويضيعون عليهم من فرص.."

 

الصورة الثانية: من حول الغار إلى قاع القليب

ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد أوى إلى غار ثور مع صاحبه أبو بكر.. هذا الغار في جبل ثور بجنوب مكة المكرمة لو حاولت صعوده قد تستغرق من ساعتين إلى ثلاث، رغم أنهم مهدوا طريق الصعود بما يشبه الدرج الحجري.. والذي يدهشني اليوم كيف صعد المشركون هذا الجبل الشاهق بحثًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وبعد وصولهم إلى الغار لم يخطر ببال أحدهم أن يدخله؛ حيث نسجت العنكبوت خيوطها على بابه.. ولم يفكر أحدهم مثلاً قطع الشك باليقين فيدخل الغار بحثًًا عن ضالتهم المنشودة، خاصةً أنهم بذلوا جهدًا شاقًّا في الصعود.. في هذه الصورة قارنوا بين لهفة أبي بكر وإشفاقه على حبيبه وصاحبه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد حبسهم الغار الضيق، والمشركون على أهبتهم بسيوفهم المشرَّعة وغيظهم المتلمظ.. ويقول وهو متوجس خيفة  لو نظر أحدهم إلى نعله لرآنا.. ولكن ما يصنع المتجبرون باثنين الله ثالثهما..؟ هؤلاء الطغاة الجبارون المحيطون باثنين عزَّل إلا من إيمان وثقة بوعد ربهما.. كم مرَّ عليهم من زمن حتى جاء وقت كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفقد مواطن الجيش عند بئر بدر ويقول لأصحابه مشيرًا إلى مواضع في الأرض.. هنا مصرع فلان.. وهنا مصرع فلان.. أشار إلى المكان الذي سيلقي فيه أبو جهل حتفه، وإلى المكان الذي سُيذَبح فيه الوليد بن عتبة.. وهنا ستُقطَع رأس أمية بن خلف.. يقول الصحابة رضوان الله عليهم والله ما تخلَّف واحد منهم عن الموضع الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. بين لحظة خوف أبي بكر على صاحبه الحبيب ومصرع هؤلاء الجبابرة أقل من أربعة وعشرين شهرًا فقط لا غير.. كم تساوي في عمر الأمم والشعوب هذه الأشهر القليلة..؟ آه.. لولا أن الناس تستعجل وتقول متى نصر الله.. كان صناديد قريش وكبراؤها يشرعون سيوفهم الآثمة حول الغار، ولا يدركون أنهم سيجتمعون أشلاءً ممزقة في قاع القليب ببدر بعد أشهر قليلة..

 

الصور الثالثة: مناجاة في الحجرة السوداء 

كان الإمام الشهيد حسن البنا يطوف بقرى مصر ونجوعها داعيًا إلى الله مجاهدًا في سبيله.. ولم تكن كل القرى والكفور تستقبله بالورود والرياحين؛ بل كان بعضهم يحول بينه وبين الناس ويرده أحيانًا ردًا قبيحًا، وكان الإمام يتجمل بالصبر وسعة الصدر.. وفي إحدى رحلاته بقرية من قرى أسيوط رفض العمدة بأوامر من الحكومة استقباله، وأغلظ له في القول، فخرج الإمام لا يلوي على شيء وبصحبته تلميذه المجاهد حامد أبو النصر، وكانوا قد تأخروا مساءً عن اللحاق بمواصلات تعيدهم إلى البندر، وهنا أشفق على الضيفين الكريمين فلاح شهم فعرض عليهما أن يضيفوهما ليلتهما هذه، ويحكي حامد أبو النصر عن وضع الحجرة المزري؛ حيث كانت كالحة السواد، وبينما هو راقد ينظر إلى جدرانها وموجات من حشرات البق تصطف في طوابير طويلة لتغطي صفحة الجدار، وكان يقول متندرًا (وكأن الحجرة مدهونة بق).. ثم أخذت حامد أبو النصر غاشية من النوم من أثر الإجهاد والإحباط ثم استيقظ في الهزيع الأخير من الليل فوجد الإمام حسن البنا جالسًا على الأرض، وقد مد قدميه وظل يضرب بيديه على فخذيه وهو يقول.. والله لتنتصرن  يا دعوة الله.. والله لتنتصرن ولو بعد حين.. وظل يناجي نفسه ويقسم بثقة أعجب لها محمد حامد أبو النصر.. كيف يأتيه هذا اليقين، وهما شبه مطرودين من القرية التي لم تحسن وفادتهما؟!.

 

عندما روى حامد أبو النصر هذه القصة تذكرت كلمات حسن البنا.. إن انتصار أي فكرة ونجاحها يتوقف على مدى الإيمان بها والبذل في سبيلها.. هل كان يدرك حامد أبو النصر أن مدرس العربي والخط المطارد في بلده والمحاصر في تلك الحجرة المظلمة سوف يخط صفحات في تاريخ مصر والأمة العربية والإسلامية..؟ منذ سنوات فوجئت بمجلة هندية تصدر في ولاية كيرلا باللغة "المالابالية" مع فني الأشعة الهندي بالمستشفى التي أعمل بها بالسعودية وعلى صفحة الغلاف صورة حسن البنا وسيد قطب، وعندما سألت الفني عنها قال: المجلة تحتفل بذكرى استشهاد حسن البنا، وتعرض لقصة حياته.. فقلت سبحان الله في قرية نائية بصعيد مصر حبسوا الرجل بحجرة مظلمة، ثم بلغت شهرته طباق الهند والسند بعد سنوات من استشهاده.. والله لتنتصرن يا دعوة الله..

 

الصورة الرابعة: تأملات في سندرة الفرن 

 عباس السيسي من قيادات الإخوان المسلمين برشيد كان مطلوب القبض عليه في تنظيم سيد قطب عام 1965م، وقد ساعده أحد الإخوة في الهرب والاختفاء بإحدى القرى، ثم أوهم هذا الأخ أحد الفلاحين أن الرجل هارب من حكم نفقة أو ما شابه، وطلب تجهيز مكان لإخفائه، وكانت للفلاح حجرة فرن لا يدخلها أحد إلا يومًا واحدًا في الأسبوع، وهو يوم الخبيز والعجين، وكان في أعلى الغرفة سندرة بها بعض الأغراض، فاختفى فيها عباس السيسي، ونسي الفلاح أن يخبره بيوم العجين والخبيز حتى فوجئ صباح أحد الأيام بزوجة الرجل وثلة من النساء يحضرن ويبتدئن في إشعال الفرن وتجهيز الخبز وملأت أدخنة الفرن صدر السيسي وعينيه وهو يكتم أنفاسه ولا يستطيع حراكًا، وكان يومًا عصيبًا كالحًا، يقول لي رحمة الله عليه: لقد سمعت يومها من أحاديث النسوة ما يشيب من هوله الولدان من فاحش الكلام وبذيئة وسوقيته، ووصف لأدق علاقاتهن مع أزواجهن؛ لدرجة أنه فكر كثيرًا أن يظهر نفسه ويخرج مسلِّمًا نفسه للسجن الحربي هربًا مما يسمع.. ولكنه ظل في مكمنه يجتر الأفكار، ويحدِّث نفسه عن المشوار الطويل الذي يجب على الإخوان أن يقطعوه؛ لإصلاح وتهذيب مجتمع هؤلاء نساؤه.. وظل عقله يستحضر الدروس الأخلاقية والتكاليف الدعوية التي ناط  بها الإخوان المسلمون أنفسهم، ويقارنها بهذا الواقع المؤسف والكئيب، وضاقت نفسه واختنقت بفاحش حديث النساء وبذيئه أكثر مما ضاقت أنفاسه بدخان الفرن وصهده.. ثم مضى في النهر ماءً كثيرًا، وجاء الشيخ الداعية بعد ذلك لزيارتنا، وجلس مع الأخوات الفاضلات في محاضرة عن البيت المسلم، وخرج منها منشرح الصدر هادئ النفس.. فلقد رأى نساء غير النساء وجيلاً غير الجيل.

 

الصورة الخامسة: خسارة معركة وكسب الحرب

بعد هزيمة مصر المنكرة عام 1967م التي أطلقنا عليها يومئذ نكسة كانت هناك مناسبة دينية ذهب فيها الرئيس جمال عبد الناصر؛ ليشهد احتفالية بمسجد الحسين ووقف وزير الأوقاف آنذاك الدكتور عبد العزيز كامل، وكان الرجل عالمًا، له رصيد غير منكور في الدعوة والجهاد، وهو من تلاميذ حسن البنا، ومن قيادات الإخوان المسلمين، وبعد اعتقاله مدة بالسجن الحربي عام 1954م خرج وقد ترك تنظيم الإخوان، وعيَّنه بعد ذلك عبد الناصر وزيرًا للأوقاف (وهذا لا يطعن في جهاد الرجل وبلائه)، المهم كان الكل محبطًا ومهمومًا والهزيمة السوداء تلقي بظلالها الكئيبة على كل شيء بمصر، وهنا وقف عبد العزيز كامل وخطب الناس بكلمات حماسية ارتجت لها أعمدة المسجد، وبعد أن كان جمال عبد الناصر ينظر إلى الأرض مطأطئ الرأس رفع رأسه، وقد اتسعت حدقتا عينيه متابعًا للحديث الهادر.. كان الوزير يتحدث عن غزوة أُحد والدروس المستفادة، وعن تلك الأيام التي يداولها الله بين الناس.. ثم ربط بين الصراع بين الحق والباطل، متمثلاً في دعوة الإسلام وبغي قريش وصراعنا مع إسرائيل فقال مبشرًا.. "يمكن لإسرائيل أن تهزم جيوشنا وتقتل جنودنا وتحتل جزءًا من أرضنا وتكسب معركةً واثنتين وعشرةً؛ ولكنها أبدًا لن تكسب الحرب مع مصر؛ لأنها لن تستطيع أن تزيل مصر أو تمحو شعبها ويكفي لمصر أن تكسب معركةً واحدةً فقط مع إسرائيل؛ لنكسب الحرب معها ونلغي وجودها؛ لأنها كيان مصطنع وبنيانها على شفا جرف هار، وليس له أساس.. هذه الحكمة البالغة كنت أستحضرها في نفسي كثيرًا، بعد ذلك وأذكر عندما اعتُقلنا  في سجن أبو زعبل الصناعي عام 1989م، وقد جهزوا لنا عنبرًا أسموه عنبر الانتخابات؛ حيث كان الإخوان المسلمون يشاركون في انتخابات مجلس الشورى، وقضينا فترة الانتخابات ثم أخذونا إلى مبنى لاظوغلي للقاء مباحث أمن الدولة (طبعًا غير مباحث وحيد حامد في مسلسل الجماعة)، وبدأ الضابط معي فظًّا غليظ القلب، وهو يقول شامتًا: "هي الانتخابات قد انتهت ولم تأخذوا مقعدًا واحدًا" فقلت له: "لقد زورتم إرادة الناس" فرد ساخرًا "ناس مين يا بني هي البلد دي فيها ناس..؟ إحنا اللي بنقوِّم البلد ونيمِّها، الناس اللي بتتكلم عنهم إحنا دفناهم وردمنا عليهم خلاص.." والحقيقة لقد كنت مغتاظًا جدًّا من حديث الكبر والافتراء لهذا الأرعن، ولم أستجب لطلب الأخ سعيد أبو الفتوح (أخو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح)، وكان معي في سيارة الترحيلات عندما قال لي يا عم علاء اسمع من هنا وفوت من هنا خلينا نروح للعيال بدري وبلاش تدخل معهم في حوار.. ولكني قلت في نفسي حتى لو قضيت يومين أو ثلاثة زيادة لن أترك الضابط في عنجهيته وكبره.. فقلت له الحزب الوطني والإخوان المسلمون، مَن سيكسب في النهاية..؟ قال طبعًا الحزب الوطني نحن السلطة والقوة.. نحن الدولة وأنتم جماعة منحلة (لم تكن كلمة محظورة قد ظهرت بعد) فقلت له بالمنطق المجرد نحن من يكسب في النهاية.. لماذا..؟ الوضع الآن هو أن الحزب الوطني في السلطة والإخوان المسلمون خارجها ومنذ عشرات السنين ونحن خارجها، ولكننا موجودون ومع الصراع المتواصل بين الطائفتين لا بدَّ من تغير الظروف في وقت ما، فنرى الإخوان المسلمين في السلطة والحزب الوطني خارجها، ولكن ساعتئذ لن يكون للحزب الوطني وجود مثل الإخوان؛ لأنه حزب طفيلي لا يقتات إلا من سلطة تمده بالحياة وتدفع الدم لشرايينه، ففكر الضابط لحظة، ويبدو أن المنطق أقنعه فقال ولكن أمامكم سنين كثيرة حتى يتحقق هذا، فقلت وهذا فرق آخر بيننا وبين الحزب الوهمي نحن نعيش بأمل التمكين، وننتظر الغد والحزب يعيش في توجس وخيفة ويخشى الغد.. وهنا هزَّ الرجل رأسه ممتعضًا وطلب مني الخروج قائلاً: عمومًا لو حصل هذا في يوم ما فسوف تحتاجون لنا أيضًا لنقبض لكم على قيادات الحزب الوطني، ونضعهم لكم في السجون.. وعند هذا آثرت الخروج بسلامة لأنني تيقنت أن الحديث مع مثل هذا الضابط لن يجدي واعتذرت إلى الأخ سعيد أبو الفتوح على تأخيرهم في العودة إلى منازلهم.