استأجر رجلٌ من بلدتنا شاهدَ زورٍ ليشهدَ له أمام القاضي بحقِّه في قيراط أرض يملكها جاره، ووقف شاهدُ الزّورِ أمام القاضي قائلاً: إن هذا القيراط ليس ملكًا لـ(..)  ثم تلعثم الشاهد فنسيَ اسم من جاء ليُزَوِّرَ ضده.. !!، وكانت فضيحةًً تندَّر بها الناس زمنًا، وصار شاهد الزور هذا يُلقَّب بالمُزَوِّر، وصار يتوارى من القوم من سوءِ فعلته.

 

ولكنّ المؤلم في تزوير انتخابات مجلس الشعب أن الذي يقوم بالتزوير ليس مواطنًا عاديًّا، وإذًا لشكوناه إلى رجال الأمن وإلى القاضي، وإنما يقوم به قطاعٌ كبيرٌ من جهاز الأمن من أعلى الرتب، ثم هم لا يتوارون من سوء فعلتهم، بل يتبجحون بإنكارها، بل بإلصاقها بغيرهم، إنه إرهابٌ حكوميٌّ منظم، وسألتُ نفسي هذا التزوير المنظم الذي اعتمد على ضرباتٍ خاطفةٍ لمقار قليلة العدد كثيرة الأصوات، والذي يتم باقتحام اللجان وإغلاقها بقوة الشرطة، متسترةً ببعض البلطجية، ثم تسويد آلاف البطاقات؛ لكي ينجح من يريدون، هذا التزوير ليس جريمة ضابطٍ واحد، ولا إدارة واحدة، إنه تزويرٌ قد تواصوْا به، وعقدوا من أجله اللقاءات، ووزَّعوا فيه الأدوار على أعلى المستويات، سألتُ نفسي أليس من هؤلاء من يُنبِّه أو يحذِّر أو يرفض هذا المنكر الذي يجرُّ البلاد إلى منحدرٍ خطير، أليس منهم من يرفض أن يشاركَ في أكبر الكبائر، أو يوضح للناس خطورتها في الدنيا قبل الآخرة؟!!.

 

ثم الطامّة الأخرى في لجان الفرز؛ حيث يعتمد القاضي الصناديق التي بها "رزم" الأوراق المفرودة، التي لا ندري كيف دخلت دفعة واحدة من فتحة الصندوق، أو لعلَّ هذا من كرامات الحزب الوطني، كما قال أحدهم، ويعتمد أيضًا الصناديق التي بها مئات الأصوات المتتالية المتشابهة، وكلها دون أيِّ استثناء تختار الجمل والهلال فقط، في حين تأتي باقي الصناديق الطبيعية التي لم يمسها السوء بأعداد بين المائة والمائتين في المتوسط، وكلها نتائج متباينة تصبُّ غالبًا في صالح المستقلين، هل قاضي الفرز هذا هو فرزٌ أول؟ أم فرزٌ ثانٍ؟ أم ثالث؟ من قضاة مصر الذين اشتُهر الكثيرون منهم بالعدالة والنزاهة.

 

إن الجريمة إذا كانت في آحاد الناس يسهل علاجها، وإذا كانت في كبار المسئولين أيضًا يسهل علاجها إذا وجدت مَن ينكرها، ويعترض عليها، ويحذِّر منها، ولا يتستر عليها، أما الجريمة التي يتواطأ عليها جمعٌ من كبار المسئولين، ثم لا تجد إلا السكوت، والإذعان بحجة طاعة الأوامر وتبريرها، كمن قال "نحن لا نزوِّر، وإنما نحن ننفذ الأوامر، بأن ينجح أعضاء الحزب الوطني فقط"، فهذا مؤشر خطير، إن الأوامر التي تُطاع هي التي ليس فيها معصية قطعية واضحة، كالأمر بالتزوير أو تبريره، إن اللص الذي يسرق بيتًا أو سيارةً أقل بكثير في جرمه من ذلك الذي يشارك في سرقة إرادة الناس بالتزوير، ثم يدِّعي أنه يسهر ويتعب من أجل خدمة الوطن، إن هذه الجريمة إن لم يتداركها كبار المسئولين، وعلى رأسهم السيد رئيس الجمهورية بنفسه، فهذا إيذان بزوال هذا النظام عن قريب بإذن الله، فمَن طال عدوانه زال سلطانه.

 

ولا ننسى أن نقدم تحية إكبار وإجلال إلى القاضي وليد الشافعي الذي فضح التزوير وصدع بشهادة الحق، وبيَّن المهزلة التي جرت في دائرة البدرشين، وفي جريدة (الشروق) 30/11/2010م بيان تفصيلي لذلك، علمًا بأن ما جرى هناك هو الذي جرى في كل دوائر القطر، ولكنه لم يجد قاضيًا رجلاً مثل القاضي وليد.

------------

* ahmadbelals@yahoo.com