الذي يقع الآن في بَرِّ مصر ونحن بصدد الحديث عن الانتخابات البرلمانية أشبه ما يكون بما يسمى (حوار الطرشان)، فالناس انقسموا في ذلك قسمين لا ثالث لهما، أما القسم الأول فهو الممثل لعموم الشعب المصري بكل أطيافه بل أستطيع أن أزعم أنه يضم أيضًا عددًا لا بأس به من أعضاء ما يسمى بالحزب الوطني ممن طالهم الهم بل ومن المقربين أيضًا من صُنّاع القرار في ذات الحزب في حواراتهم الخاصّة ودردشاتهم بعيدًا عن أعين ساداتهم، وهؤلاء كما ترى يمثلون الكثرة الكاثرة من الشعب المصري ممن رأوا الحقيقة كما هي على حقيقتها فانحازوا لها، ألا وهي ما نعاينه بأم أعيننا من إرهاب وتزوير وكذب، والقفز على الحقائق، وإهدار للقيم، وضرب للأسس التي تقوم عليها الدولة (بل أي دولة) في مقتل.
فماذا يمكن أن نسمي الإهدار المتكرر والمتعمد لأحكام القضاء بحجج واهية من قِبَل النظام بل حتى للأسف من الكرام رئيس وأعضاء اللجنة العليا للانتخابات، والذين شنفوا آذاننا بأنه لم يصدر عن المحكمة الإدارية العليا أي أحكام تعتبر أن مجلس الشعب القادم باطل، وينبغي إعادة الانتخابات، وتنفيذ أحكام القضاء أولاً، فإذا بنا نفاجأ بالسادة أعضاء اللجنة العليا ينكرون في غرابة صدور مثل هذه الأحكام، وكأنها صدرت في الظلام أو أننا ندعي، والأغرب أن بعضهم تحدث في صلف وعناد أن أحكام محاكم القضاء الإداري لا يعتد بها، والمخول به الآن الفصل في صحة العضوية هو مجلس الشعب نفسه، فردت المحكمة أن هذا صحيح في حالة إجراء الانتخابات بصورة صحيحة وقانونية، ومن جانب آخر نرى حديثًا لا أظن أنه سيفضي إلى نتيجة وذلك لأن أحد الفريقين يتحدث عن تزوير فجٍّ رآه الجميع أما الفريق الآخر فينكر حدوث شيء من هذا (من العجب العجاب أن أحد ضباط الشرطة الذي مارس التزوير بنفسه، وكان يقود فريقًا من البلطجية هو نفسه كان يكلمني أثناء فرز الأصوات عن هذه النزاهة التي لم يسبق لها مثيل..... فأين حمرة الخجل!).
هذا يدعونا إلى سؤال ما جدوى الاستمرار في حوار بدون أسس أو ضوابط اللهم إلا الصراع وزيادة الهوة، ففريق من الفريقين يريدون من الناس تكذيب ما رأوه بأعينهم أو عدم تصديق جهابذة وأساطين القانون وصفوة أهل الرأي والنظر في هذا البلد، فمَن يقول عن د. يحيى الجمل أو د. حامد الجمل أو د. ثروت بدوي أو د. عاطف البنا أنهم منحازون لفريق دون الآخر أو أنهم لا يدركون مجاري الأحداث أم نكذِّب صفوة المفكرين أم أن جميع منظمات المجتمع المدني متآمرة، لذا كان لا بد من وقفة نتساءل إلى أين يسير بنا هؤلاء؟ فلا بد للعقلاء في هذا الوطن أن يقفوا وبقوة يعلنون صراحة عن مشروع يخرجنا من هذا النفق المظلم، لذا كان لزامًا أن نقف سويًّا يدًا بيد، ونتفق ابتداءً على عقد اجتماعي وعلى أسس وقواعد حتى نخرج من هذا الحوار الذي لا يستمع فيه أحدنا للآخر، ونضع فيه مصلحة البلد فوق كل المصالح الفرية الضيقة والمصالح الحزبية المحدودة، واسمحوا لي أن أضع بين أيدي حضراتكم بعض المقترحات في هذا الصدد وهي قابلة للقبول أو الرفض، ولكني أعتبرها حجرًا نلقيه في الماء الراكد، وللخروج من هذا الحال المتجمد:
(1) لا بد من الإقرار ابتداء أن هذا البلد هو ملكنا جميعًا، فالجميع شركاء في الهم، فينبغي أن نكون جميعًا شركاء في الحلِّ دون تهميش أو إقصاء.
(2) لا بد من وضع أُسُس للحوار منها احترام كل الآراء فلا أحدٌ يملك الحقَّ المطلق.
(3) الوطن مُقْبِلٌ على كارثة إن لم نسارع لإنقاذه (لا أعتقد أن هذا محل خلاف).
(4) الاتفاق على عقد اجتماعي يحترمه الجميع ويحرسه ويحميه الجميع، نحترم خلاله الأسس التي تَبْنِي عليها الدول حاضرها ومستقبلها بل وحضارتها أيضًا، فمِنْ فَصْلٍ حقيقي وواضح بين السلطات حتى الوصول إلى التفرقة الواضحة بين الدولة بقيمتها وعلوها وبين المصالح الضيقة للأفراد والأحزاب والجماعات، وبالاختصار انتخاب جمعية تأسيسية تقوم بوضع دستور جديد يراعي الظروف، ويواكب العصر، ويرتضيه الجميع.
(5) هذا الوضع من الخطورة بمكان والذي قد يدفع بعض الفصائل إلى اللجوء إلى العمل السري أو انتهاج العنف أو على أضعف الأحوال اللجوء إلى الخارج للشكوى؛ ما قد يدفع بالبلد إلى الوقوع تحت التدخل الخارجي في شؤننا الداخلية، وهذا ما لا يرغب فيه عاقل.
(6) أظن أن بداية الطريق نحو ذلك هو سرعة الدعوة لوضع كيان يلتف حوله الجميع، قد يكون بتقوية الجمعية الوطنية للتغيير هو أحد الحلول المطروحة.
هذه بعض مقترحات أكتبها وأنا أكاد أبكي بدل الدموع دمًا أسىً وحسرةً على ما آلت إليه أحوال بلدنا الحبيب، فمن كان يظن أو يتصور أن تصل أحوال بلادنا إلى هذا السفح الهابط، وفي النهاية لا أملك إلا أن ألجأ إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء أن يبدل حالنا إلى خير حال، وأن يولِّي أمورنا خيارنا ولا يوليها شرارنا، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
---------
مرشح الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب 2010م