اليسار خارج المعترك السياسي، ولا يتوقع له أن يحدث فرق في الواقع السياسي الراهن.. لقد أصبح جسدًا بلا حراك.. ولم تعد القيادات الحالية تتصف بالإبداع السياسي الذي يحرك الثائرين على الفساد والطبقية كما كان في الماضي, واكتفت القيادة بحضن المواءمات الدافئة مع النظام, فخسر الوطن جهود الشبيبة اليسارية, وأصبح الحقل اليساري ملغومًا بالتناقض بين القيادة والقواعد.

 

منذ عدة سنوات.. دعا المركز المصري للتنمية إلى ندوة كان ضيوفها المستشار طارق البشري، والأستاذ عبد الغفار شكر أمين التثقيف بحزب التجمع، وبدأ الأخير حديثه مصارحًا الحضور بأن الإخوان لا يمتلكون برامج إصلاحيةً واضحةً، ويكتفون بالعموميات, وقام بعض الحضور ليوضحوا الحقيقة، ولمَّا كان هذا من اهتماماتي، بادرت وسألته: هل يكون عارفًا باليسار المصري مَن لم يقرأ كتابات د. الزيات؟ فرد الرجل نافيًا ثم قلت: وكذلك الإخوان، فمن لم يقرأ حسن البنا لم يقرأ الإخوان.. ثم أوضحت جملة محاور من منهج الإمام في الإصلاح في مختلف مناحي الحياة، ثم أردفت بأنه قد قام مئات من علماء الإخوان- بعد الإمام- في مختلف التخصصات بوضع رؤاهم في إصلاح مصر.. فمن لم يطلع على رؤى هؤلاء.. فقد (تعمَّد) عدم معرفة الإخوان.

 

وهنا.. أخذ المستشار طارق البشري الكلمة.. وقال: تعلمون أنني مؤرخ سياسي ومهتم بالشأن العام، وقد درست ما كتبه الأستاذ حسن البنا، وأشهد أني أعتبره "منهجًا كاملاً لإصلاح مصر" في عصرنا الراهن.

 

وبأخلاق الفرسان: أخذ أ. شكر الميكروفون؛ ليقول لنا: ما دمتم على هذا القدر من الثقافة، فأريد أن أتحدث إليكم في أمور عدة:

 

أولاً: أعترف بتقصيري في قراءة الإخوان، وأعدكم بأن أراجع نفسي في هذا.

 

ثانيًا: أنصحكم بطرق أبواب الجميع وشرح أنفسكم للأحزاب والقوى السياسية، فالمؤكد أنكم قادرون على تبديل الصورة النمطية السلبية عنكم في الأذهان.

 

 

 م. محمد كمال

ثالثًا: المؤكد أنكم تعرفون أن الأحزاب لم تعد قادرةً على التغيير؛ لأنها قد قبلت المساومات، وما دمتم مثقفين هكذا فأنتم تعلمون "أن حزبنا أيضًا قد قبل التنازلات" وتعلمون أنني أعارض ذلك.

 

فالأحزاب كلها قبلت مقاعد هنا أو امتيازات هناك لشراء السكوت، لكن الأخطر هو "حشد الجميع ضدكم".

 

هذه شهادة رجل يعلم الجميع قدره ومنزلته، وهي رسالة شارحة لما غمض من المواقف التي نعيشها الآن، فمن ضمن عجائب الزمان أن اليسار المصري بكلِّ ما قدَّم من تضحيات لنشر أفكار العدالة الاجتماعية والانحياز إلى الفقراء.. هذا اليسار غاب تمامًا عن الفعل السياسي الآن.. غاب في وقت يجاوز عدد فقراء مصر الخمسين مليونًا.. فهو إذًا المناخ الأمثل لانتشار اليسار ورجاله.. فما الذي خرج باليسار من دائرة التأثير ووضعه على رفِّ التاريخ؟ الإجابة في تصوري تكمن في الآتي:

 

أولاً: قبول اليسار المصري "بقيادة حزب التجمع"، الوجود الشكلي (أو الديكوري) لمعارضة مستأنسة لا تختلف جوهريًّا مع النظام، وإنما القضية في بضع إصلاحات هنا وهناك، ضاربين عرض الحائط برؤى مفكريهم الوطنيين سواء الاقتصاديون أو الاجتماعيون.

 

ثانيًا: قبول اليسار المصري بعطايا النظام نظير السكوت، والناظر الآن يرى أن كُتَّاب اليسار هم طليعة المتحدثين باسم النظام والمدافعين عنه، وذلك في مقابل مجلة أدبية أو مطبوعة قومية أو صحيفة وزارية، كما أن النظام قد قبل منهم بعض انتقادات "الحبيب لحبيبه"؛ ليظل الحزب في حصالة المعارضة، يخرجه النظام وقتما شاء؛ ليواجه به الفزاعة المصرية الشهيرة (الإخوان).

 

ومن هنا فإن قبول رئيس الحزب التعيين الدائم في مجلس الشورى, وإنجاح خمسة من مرشحيه عنوةً! لا يمكن قراءته إلا في هذا السياق، وإلا فأين المنافسة والاختلاف الجوهري بين (اشتراكية) الحزب و(رأسمالية) النظام.. هذا على أقل تقدير.

 

ثالثًا: قبول اليسار بمعادلة مؤداها أن: "المسافة بيننا وبين النظام أقرب من المسافة بيننا وبين الإخوان، وهنا لنا وقفة: فمنذ عدة سنوات ابتكر اليسار المصري "موضة سياسية" اسمها (وقوف السادات مع الجماعات الإسلامية)، وذلك في معرض اتهام اليسار بعدم الوجود في الشارع، وبالتالي عدم التأثير في القرار السياسي، بل والانسحاب من المشهد السياسي كله.. أما حجتهم التي عثروا عليها، ثم أصبحت (لبانة) على ألسنة قيادات الحزب، فهي أن السادات "تحالف" مع الجماعات الإسلامية لإقصاء اليسار، بل وقام بدعمهم ماليًّا وأدبيًّا.. أما ألطف ما في الموضوع فهو الذي لم يقولوه.. وهو أن الحركة الطلابية الإسلامية حازت رضا وقبول الطلاب، فانتخبت قوائمهم بنسب كانت دائمًا مدهشةً، إذ كانت في الأغلب نسبة 100%، وكان أبناء الحركة الإسلامية على قدر المسئولية، فملئوا أجواء الجامعة عملاً ونشاطًا، وحازوا على إعجاب الطلاب وهيئات التدريس.. ثم أكملوا مسيرة الصحوة في النقابات ولمدة 12 عامًا من عهد مبارك، فهل ذكر أحد أن مبارك أيضًا تحالف معهم؟، وهل يذكر أحد- أو يستطيع- أن ثمة انتخابات زُوِّرَت لصالح الحركة الإسلامية!! وإلا كان لادعائهم وجاهةً تشي بأن السلطة تتبنى الحركة الإسلامية؟.. أو كان أقطاب اليسار اعتبروا أن مجرد رفع القبضة الأمنية قليلاً عن الحركة الطلابية- حينها- هو ما يوصف بالتحالف الساداتي معهم.. وكأن المطلوب هو وضع الحركة الإسلامية دائمًا في قيود حديدية.. وإلا كانت الاتهامات حاضرة.. ولما استكان اليسار إلى هذه الوصفات السحرية التي تبرر قعوده عن خدمة المجتمع، زاد وضعه بؤسًا على بؤس وابتعد حتى انزوى في جريدة أصبحت- هي الأخرى- في حالة يُرثَى لها.. ولم يستطع الحزب تجديد شبابه ولا استنهاض مؤيدين له، فأصبحت ترى المتحدثين باسم الحزب، فتتذكر عجائز الكرملين, وأصبح الخيار الجبري هو مهادنة النظام.

 

رابعًا: ضربت قيادة الحزب أكبر المثل في العجائب السياسية حين اختارت أن تصب كلَّ جهدها ضد الإخوان في انتخابات 2005م، وكان لرئيس الحزب الحظ الوافر والترحاب في وسائل الإعلام (الحكومية)؛ ليصب جام غضبه على الإخوان بالجمل "الفولكلورية" الشهيرة، "دول عايزين دولة دينية"، و"يا راجل ده حسن البنا قال كذا وكذا"، و"يا عم الحاج دول بيعتبروا نفسهم معصومين واللي يخالفهم يخرج من الإسلام"، و"وبعدين إيه الشعار ده بتاع الفتنة الطائفية وحقوق الأقباط.." وقطعًا هو لا يعبأ بردود علماء ومفكري الدعوة.. وستلاحظ أن رجالاً مثل أ. شكر، أو م. أحمد بهاء شعبان، أو د. جودة عبد الخالق، أو نظرائهم من ذوي المواقف المحترمة بالحزب.. ستلاحظ أنهم لا يتحدثون بمثل هذه الـ"كليشيهات" الحكومية.. وبالتالي فهم مستبعدون.. لقد انتفض أبناء الحزب بعد النتائج المهينة في انتخابات 2005م، وصوبوا أصابع الاتهام إلى قيادتهم التي عارضت الإخوان أكثر من معارضتها للاستبداد السلطوي.. وظهر في كلامهم أن هذا الخطأ لن يتكرر.. ولكن الخطأ بـ"شحمه ولحمه" وزيادة، يظهر أمامنا الآن في انتخابات 2010م، نفس الكلام من رئيس الحزب ومن رئيسة تحرير جريدته.. نفس الـ"كليشيهات" والاتهامات وعدم استيعاب دروس الماضي البعيد ولا القريب.

 

خامسًا: عدم مراجعة اليسار لأفكاره، وهنا أستشهد بحوار جرى بيني وبين اليساري الوطني م. أحمد بهاء شعبان؛ حيث كنَّا في إحدى فعاليات المقاطعة بالإسكندرية، وطرح الرجل عليَّ سؤالاً: لماذا لا يُطَوِّر الإخوان أنفسهم، ولمَّا ذكرت له ما حدث من تطوير سواء على مستوى التنظيم أو الرؤى السياسية، أو طبيعة الحركة؛ لتحقيق الأهداف العامة للجماعة.. ارتضى الرجل مني هذه التفسيرات, ولكني بادرته بالسؤال نفسه وقلت له: بل إني أرى جمودًا في فكر وحركة اليسار المصري.. على الأقل.. فاليسار في العالم كله راجع نفسه بعد سقوط سور برلين عام 1989م، ثم انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم نسمع عن أية مراجعات لليسار المصري.. وبتلقائية المخلص الوطني أظهر الرجل سخطه على ما يحدث في المجتمع اليساري، واستشهد لي بمقالاته الرافضة في جريدة (الأهالي)، ودعوته الدائمة إلى إصلاح البيت اليساري، ولكن لا مجيب! ولقد استوقفتني كلمة ليساري محترم، في سحور رمضاني لليسار المصري منذ عامين.. حيث قال الرجل: أنا سعيد لأني أستطيع أن أقول (رأيي بحرية في جمع من اليسار).. فمنذ التحقت باليسار منذ عشرات السنين وأنا- كغيري- لا نستطيع أن نتكلم بصراحة.. وطبعًا الرجل يتكلم بصراحة؛ لأنه لم يعد من كوادر التنظيم، وإنما مجرد رمز.. إلى هذا الحد- إذًا- يعيش اليسار إشكالية (الجمود وعدم المصارحة)، أو يعيش على أطلال الماضي البعيد، وبعض الأفكار البراقة، ومعها بعض الاعتراضات منزوعة الأنياب على النظام القائم.

 

إذًا على اليسار الوطني الحقيقي أن يتقدم، وألا يعزف عن الحركة ويتركها بين من يسيئون إليه.

 

إن عافية مصر في أن تقوى كل اتجاهاتها الوطنية، اليسار الوطني، والليبرالية الوطنية، والحركة الإسلامية.. وكل تنافس يُرجى بِهِ تطور الوطن ونهضته سيفرِّخ علماء وكوادر قادرة على تحصين الوطن، ما أصابه من فيروسات الفساد والاستبداد التي تنخر في عظامه.

 

لمصلحة اليسار أن يعلم أن استعادته دوره الوطني لن يكون عبر تحالفه مع الاستبداد القائم، ولا عبر التآمر على الإخوان.. ولمصلحة الوطن ألا يُخْرِج أحد أذرعه من معادلة جهود الإصلاح.