سيدي الفاضل الدكتور عبد المنعم سعيد.. في بداية مقالاتك عن نتائج الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب كنت أظن أنها مجرد ممارسة مهنية تؤديها لطبيعة موقعك الصحفي ككاتب، ورئيس لمجلس إدارة (الأهرام) الحكومية، أو لوضعك السياسي كعضو بارز بالحزب الوطني، فكانت الكتابة لونًا من أداء الواجب المنوط بك، أو درءًا لشبهة عدم الانتماء الحزبي، أو جديتك في المشاركة، ثم بدأت أرى في كتاباتك إصرارًا على تلك التصورات الموهومة، ومحاولة تلبيس الباطل الذي عايشه الناس، وعانوا منه، ثوب الحق بما تملكه من أدوات كتابة منمقة، وبما تسرد من نسب وإحصاء مرتب ومهندم، ولكن يبقى الواقع بقبحه ورداءته طافيًا على السطح، ومسيطرًا على المشهد العام.. سيدي الفاضل إن التزوير والغش وشهادة الباطل جرائم، ولا يخلو منها مجتمع، وكلُّ هذا لا يخيفني ولا يضر بلدًا عظيمًا، وكبيرًا مثل مصر؛ ولكن الخطر الأكبر الذي يعصف بكيان البلد ويدمر الأمة يكمن في أمرين..

 

الأول: عندما تضيع من الأمة معالم الطريق، وتفقد القدرة على التمييز، فلا تملك المقياس الصحيح الذي تعرف منه الحق من الباطل، ويختل فيها الميزان، فلا تدرك المعروف من المنكر، ولا تفرق بين الصواب والخطأ..

 

الخطر الثاني: عندما يتواطأ الناس بشكل جماعي، ومنظم على اقتراف الإثم، وتقبل الباطل ومعايشته.. هذان الأمران هما أخطر داء تصاب به الأمة؛ فقد الاتجاه، والتواطؤ على الباطل ومعايشته، وهو ما أخاف أن ترسخه مقالات رؤساء تحرير الصحف، والجرائد الحكومية، والتي تستقي مدادها من معين واحد، وتنطق بلسان مشترك، واسمح لي وبشيء من الموضوعية الشديدة بضرب أمثلة لهذه الدعاوى المغرضة، والرد عليها من منطلق ما تكتبونه بأنفسكم.

 

أولاً: يزعم العديد من كتاب السلطة، ومحرري الشرطة أن الحزب الوطني قد عكف على إعادة  تنظيم صفوفه، ودرس الواقع بكل دقة، وعمل إحصاء دقيق للقوة التصويتية للإخوان المسلمين، فجهز لكلِّ موقع من يناسبه، وتمكن من تفتيت الأصوات في بعض الدوائر فحرم الإخوان منها.. إلخ.

 

والرد.. سيدي الفاضل وأنت رجل أكاديمي، وعلمي ومنهجي التفكير، هل ما يفاخر به الحزب الوطني من تكتيك انتخابي، وما بذله من جهد جهيد لدراسة مواقع الخصوم، وتحديد قوتهم ونقاط ضعفهم وطرق إقصائهم من الميدان هي الوظيفة المطلوبة من الحزب الحاكم صاحب الأغلبية المزعومة؟ إن الحزب المحترم صاحب المبادئ، والقيم هو الذي يبذل من جهده، وعرقه لتحقيق إنجازات يلمسها رجل الشارع في واقع حياته، ومن خلالها يؤمن بمبادئ هذا الحزب صاحب الفضل عليه، والذي أثمر جهده نفعًا للوطن، ورخاءً للمواطن، فيذهب الناس طواعيةً وحبًّا للإدلاء بأصواتهم له، فيسقطون خصومهم مهما كانت قوتهم. ما الإنجاز لفريق كرة نزل الملعب، وكل تركيزه أن يكسر عظام الفريق الخصم، وبدلاً من أداء مباراة نظيفة يبرز فيها مهارته، ويسعد بها الجمهور يسعى بالعنف والخشونة المتعمدة لإقصاء الخصوم من الساحة واحدًا بعد الآخر؛ مطمئنًّا لحكم يغض الطرف عن "الفاولات" والضرب المتعمد، ثم ينفرد بالملعب يسجل ما شاء من أهداف في مرمى خالٍ من حراسة، وليس أمامه دفاع؟!.

 

ثانيًا: يزعم العديد من الكتاب- وأنت منهم- أن أداء الإخوان المسلمين في مجلس الشعب كان دون المستوى، ومحبطًا للناس، ما سبب فقدهم مقاعدهم التي حصلوا عليها من قبل.

 

والرد: سيدي تعلم أن دور النائب هو الرقابة والتشريع، ثم أضفنا إليه في مصر الدور الخدمي، وهذا الدور الذي كلما تعاظم في بلادنا يكون دلالةً على فشل الحكومة، وفسادها في آن واحد؛ لأن الخدمة التي يضطلع بها النائب المحترم للناخب تكون لقصور في أداء الحكومة، فلم تصل الخدمة إلى مستحقيها، أو باستثناء تقدمه الحكومة إلى النائب من أجل ناخبه، ما يشكل لونًا من الرشى الانتخابية، أو شكلاً من (السبوبة) التي يتكسب منها النائب خَرِب الذمة، وهو ما لا يجيده نواب الإخوان المسلمين.

 

أما الدور الرقابي فاسمح لي بسؤال موضوعي: هل كان أداء الحكومة في السنوات الماضية حسنًا أم سيئًا؟، لو قلت إنه حسن- وهذا ليس صحيحًا- فكان الواجب على نواب الإخوان المسلمين ألا ينتقدوا أداء الحكومة الحسن بشكل هدَّام، ويكون عدم مهاجمة الحكومة المحسنة لونًا من الشرف في الخصومة، أما لو كانت الحكومة مسيئةً فكان الواجب على الإخوان نقدها، وكشف سوءتها للناس، وتقويم أدائها، فلو افترضنا أن الإخوان قد قصروا في هذا الدور- وهو ما لم يحدث- فهل نحرم الإخوان المسلمين من مقاعدهم في مجلس الشعب؛ لأنهم لم يضيقوا الخناق بما فيه الكفاية على حكومة فاسدة؟ ثم في الوقت نفسه ندلي بأصواتنا في شكل اكتساحي لأفراد حزب كانت حكومته بمثل هذا الفساد؟ يا سيدي لو افترضنا أن وكيل نيابة لم يفلح في استجواب اللص فهل نسحب الثقة من وكيل النيابة الشريف، ثم نصوِّت للص ونؤيده، وندعه يفر بما سرق؟!.

 

سيدي أنت دكتور أكاديمي ومنطقي وموضوعي هل أجد عندك إجابات لهذه الأسئلة البديهية؟!