أعلم أن العبارة الأخيرة (الإسلام هو الحل) عبارة تشمئز منها قلوب السادة العلمانيين، وتنفر منها عقولهم، وتنهال عليها قذائف ألسنتهم، وسهام أقلامهم، ولكنها تظل- رغم ذلك- ثابتةً راسخةً، عاليةً سامقةً؛ لأنها هي الحق والحقيقة، جهلها من جهلها، وكرهها من كرهها.
وأحسب أن معظم هؤلاء المعادين المهاجمين يفعلون ذلك عن جهل أو تقليد؛ لأن أحدًا منهم لم يدرس الإسلام من مصادره ومراجعه وفي كتابات علمائه الأثبات دراسة علمية عميقة متأنية، وإنما انطلق يقلِّد الغرب وتلاميذه، ويتلقَّى عنهم أفكاره وآراءه، ثم يكتب كتابات صحفية سطحية، يحاول بها أن يكرِّس مقولة (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين)؛ بدعوى أن الدين علاقة بين الإنسان وربه، وألا شأن له بأمور الحياة، خصوصًا السياسة التي هي في نظرهم سلسلةً متواصلةً من الكذب والخداع والغدر والنفاق والتزوير والفساد والظلم والصراع، ومن ثم على الدين أن ينأى بنفسه عن هذا المستنقع الآسن؛ حتى لا يتلطَّخ بأقذاره ولا يفقد طهارته.
وبعض هؤلاء العلمانيين يتبنَّون هذا المذهب لينطلقوا مع غرائزهم وشهواتهم ومطامعهم من دون أن يقيِّدهم قيدٌ من مبادئ أو أخلاق أو قيم أو شرائع.
ولقد ذهب هؤلاء وأولئك في محاولةٍ لحصار إرادة الشعب التي تجلَّت فيما عبَّرت عنه إبَّان كتابة الدستور سنة 1971م؛ حيث قال السيد حافظ بدوي، رئيس مجلس الشعب الأسبق، "وإنني أذكر في سنة 1971م إبَّان وضع الدستور الدائم، وكنا نجول أرجاء مصر من أقصاها إلى أقصاها، وكان النداء الأول في كل قرية من قرانا، وفي كل مدينة من مدننا، وفي كل مجتمع من مجتمعاتنا وفي كل جامعة من جامعاتنا؛ أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرًا أساسيًّا لتشريعاتنا، ومن أجل ذلك نصَّت المادة الثانية من دستور سنة 1971م على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع"، ثم عدِّلت هذه المادة في استفتاء شعبي في مايو سنة 1980م لتصبح "والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".
ورغم هذه الإرادة الشعبية التي جسَّدها هذا النص الدستوري، فقد تعرَّض لهجمات شرسة من كتيبة العلمانيين والكارهين للإسلام؛ بغية حذف هذا النص، أو على الأقل تجميده في دهاليز النسيان، وسنّ تشريعات تتعارض معه، وقد كان لهم ما أرادوا؛ حتى أصبحنا نراهم يرحِّبون بشعارات من نوع (الليبرالية، أو الماركسية، أو الاشتراكية هي الحل).
أما إذا رفع الإخوان المسلمون شعار "الإسلام هو الحل"، معبِّرين عن عقيدتهم ورأيهم وعن أمل الأمة في الحياة في ظلال الإسلام؛ قامت قيامة السلطة والأمن وصحافة الدولة والصحافة العلمانية، ومن يطلقون على أنفسهم صيغة المثقفين من العلمانيين، مطالبين بمحو هذا الشعار، ومطاردة أصحابه، وحرمانهم من حقوقهم الدستورية والوطنية والسياسية في الترشُّح للمجالس النيابية، وكانت انتخابات مجلس الشعب الأخيرة أوضح مثال على ذلك، فلقد تمَّ القبض على ألف وأربعمائة رجل من الإخوان، وتمزيق لافتات الدعاية لمرشحيهم، وشطب حوالي مائة مرشح من قوائم المرشحين، منهم ستة من أعضاء البرلمان السابق، وإهدار أحكام القضاء التي قضت بإدراج أسمائهم في قوائم المرشحين، ثم وقعت الواقعة يوم الانتخابات، فمُنع مندوبو المرشحين من دخول اللجان، وبيعت الأصوات بالأموال، واعتدى البلطجية وقوات الأمن على الناخبين، وعلى بعض القضاة والمستشارين، وزوِّرت بطاقات الانتخابات لصالح مرشحي الحزب الحاكم في لجان بأكملها، وسقط بعض القتلى وعدد من الجرحى.
وبعد انسحاب مرشحي الإخوان المسلمين وحزب الوفد من جولة الإعادة، ارتبك الحزب الحاكم وراح يزوِّر للباقين من مرشحي المعارضة كي ينجحوا ويُسقط مرشحيه؛ حتى لا يأتي المجلس خاليًا من المعارضة، في مشهد يثير السخرية، ويفضح حقيقة بطلان مجلس الشعب؛ إما لعدم احترام أحكام القضاء، في دولة تزعم سيادة القانون، وإما للتزوير الشامل لأعضاء الحزب الحاكم والمعارضة على السواء، وأثبتت ذلك شهادات الجماهير ومنظمات حقوق الإنسان والمراسلون الإعلاميون وبعض القضاة، والصور التي عرضتها القنوات الفضائية على العالم أجمع.
وراح المحللون والقانونيون والباحثون وكثيرٌ من السياسيين يطالبون بإعادة الانتخابات في ظل إجراءات صحيحة تبدأ من تنقية جداول الانتخابات وإشراف قضائي كامل على العملية الانتخابية، واحترام أحكام القضاء، وتكافؤ الفرص بين المرشحين، وتحييد قوات الأمن، وتجريم البلطجة والتزوير، وشراء الأصوات.. إلى آخر ضمانات سلامة العملية الانتخابية.
بيْد أن هناك أمرًا لم يتكلم فيه أحد قط، وهو ما لا يوفِّره غير الإسلام، ألا وهو الضمير الحي، والأخلاق الفاضلة، والمعاملة الكريمة، وهذا كله منبعه الإيمان بالله، واستشعار رقابته في كل وقت وفي كل مكان (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة: من الآية 7) (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 29).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وكذلك الإيمان باليوم الآخر والحساب والجزاء والجنة والنار (يَا أَيُّهَا الإنسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * ويَنقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ ورَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * ويَصْلَى سَعِيرًا * إنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَى إنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) (الانشقاق: 6-15).. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة:7-8) (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18) (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة: من الآية 205) (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: من الآية 18) (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران: من الآية61) (ومنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء: 13-14) "لا يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا".
إضافةً إلى الأحكام التي تحضُّ على الصدق والأمانة والوفاء والبر والاستقامة والإحسان والعفاف والعدل، وتحرِّم الكذب والخيانة والغدر والشر والأذى والسوء والظلم والاغتصاب والتزوير؛ فهل من يستيقن ذلك كله يمكن أن تمتد يده إلى ظلم أو منكر أو فساد؟!
كل ذلك يمثل الوازع الداخلي، إضافةً إلى كل الضوابط التنظيمية التي اقترحها المحللون والقانونيون والسياسيون، إضافةً إلى الرادع الخارجي المتمثل في العقوبات الشديدة التي يجب إيقاعها بالخارجين على كل ما سبق وعلى القانون.
هذه المنظومة تمثل الحل الإسلامي لقضية الانتخابات، وهو وحده الذي يمتلكها كلها وينظِّم بها كل جوانب الحياة، ولهذا رأينا الإخوان المسلمين في الانتخابات الأخيرة تعتدي عليهم السلطة بالاعتقال والضرب والطرد من اللجان والتزوير لصالح خصومهم، وهم صابرون، ويعتدي عليهم بلطجية الحزب الوطني، ورغم ذلك لم يردوا على العنف بالعنف، بل لم يقترفوا حادثة عنف واحدة، ولم يخرجوا على مقتضى الأخلاق والأدب والقانون مطلقًا، ولم يرتكبوا جريمة تزوير واحدة، وانهالت عليهم الأكاذيب والفرى من مسئولي الحزب الوطني والصحفيين والإعلاميين والمثقفين العلمانيين، بل وصل الأمر إلى حدِّ التحريض على البطش بهم وإلقائهم في غيابات السجون، وهم يردِّدون قول صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173) ويدفعون السيئة بالحسنة؛ امتثالاً لقوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) (المؤمنون: 96)
ولم يحزنوا لأنفسهم قط ولم يطلبوا لأنفسهم ثأرًا، ورغم أن القرآن أباح ردَّ السيئة بمثلها فإنهم آثروا الحل الأكرم الذي حضَّهم القرآن عليه (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: 126-128).
ولكن حزنهم البليغ هو على حال هذه الأمة وما وصلت إليه، فمصر التي كانت قائدةً رائدةً في تاريخها وحضارتها وعطائها وأثرها في القارة وفي العالم العربي ودول عدم الانحياز، تقزَّمت وتخلَّفت وفقدت دورها، وتقدمت عليها دول صغيرة كانت دونها بكثير، وتبوأت قمة قوائم ترتيب الدول في مجالات الفساد والاستبداد والتخلف، وذيلها في مجالات القوة والتقدم والرقي.
ورغم الجروح والظلم والمعاناة سنظل بإذن الله نعمل لإنقاذ الوطن ورفعته وخدمة الشعب وحل مشكلاته بمنهج الإسلام منهج الله (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: من الآية 50)، رافعين شعار "الإسلام هو الحل".
----------
* عضو مكتب الإرشاد.