بين الحين والحين يتعرَّض الواحد منَّا لبعض المواقف التي يكتشف فيها نفسه من جديد، ويرى في نفسه إمكانات وقدرات وربما مواهب، ما كانت لتظهر في المواقف العادية، إنها إمكانات تحتاج إلى درجة عالية من التحفيز؛ لتظهر وتُكتشف.
تذَّكر معي أنك في لحظات الخوف يزيد معدل الجري لديك بدرجة لا تحدث في الظروف العادية، تذكر معي أن معدلات التركيز لديك تصل إلى أعلى معدلاتها في أوقات الامتحانات، تذكر معي أن قدرتك على الصلاة والتعبد وحفظ القرآن أو تلاوته ترتفع إلى أعلى معدلاتها في شهر رمضان.
أوقات الانتخابات أيضًا، سواء أيام الإعداد للانتخابات، أو يوم الانتخابات نفسه، تجربة نكتشف فيها أنفسنا من جديد، ونشعر فيها أن بنا بعض الخصال، التي كثيرًا ما نحاول استدعاءها في الأوقات العادية؛ للقيام بأعمال دعوية مختلفة، فإذا بنا لا نجدها، ونعتذر بأننا لا نملكها، وفي الحقيقية أن الله قد حبانا إياها منذ زمن، ولكن لم تكن الفرصة قد أتت بعد لاكتشافها.
ماذا كشفت الانتخابات فينا؟
إننا إذا استرجعنا تجربة الانتخابات، نجدها قد فتحت عيوننا على أمور سنحاول أن نرصد بعضها؛ كي تستمر معنا وننطلق بها في آفاق الدعوة، بعض هذه الأمور هي:
1- الانفتاح على المجتمع:
كثيرًا ما تحدثنا عن ضرورة الانفتاح على المجتمع، وضرورة الخروج من دائرة المسجد الضيقة إلى الفضاء الخارجي؛ حيث نذهب إلى الناس فيسمعوننا، نتحاور معهم في أماكن مختلفة، دون أن نشترط حضورهم إلى المسجد، وهو ما يعني في أغلب الأحيان أن يكون الحضور ملتزمين بالصلاة، وبالتالي نقصر الدعوة دون قصد على شريحة ضعيفة جدًّا من المجتمع، وهي الشريحة الملتزمة بالصلاة.
نحن ندرك هذا المعنى بصورة تلقائية في عملية الدعاية الانتخابية، فندرك بالفطرة أننا يجب أن نذهب إلى الناس في أماكنهم ولا ننتظر حتى ندعوهم فيأتونا، نحدثهم في الشارع وعلى المقهى وفي البيت وفي المتجر وفي المصنع، نذهب إليهم حيثما كانوا لنعرض عليهم الفكرة ونناقشهم ويناقشوننا فيها، هذه الفكرة هي نفس الفكرة التي أقام عليها العبقري حسن البنا دعوته، عندما رأى بذكائه الفذ أن الدعوة في المسجد تعني الاقتصار على الشريحة الملتزمة نوعًا والضعيفة عددًا، فبدأ من المقاهي، وأخذ يتنقل بينها حتى ذاع صيته، وأخذت الدعوة في الانتشار.
إن أول ما كشفته الانتخابات لنا وفينا، أننا قادرون على الانفتاح على المجتمع، وأن هذا الانفتاح يحقق نتائج جيدة في وقت قصير جدًّا، وهو أمر ما من شك أنه قادر على تحقيق طفرات في العمل الدعوي.
2- الجرأة:
لا يمكن أن ينجح الداعية إذ لم يتمتع بقدر مناسب من الجرأة على مواجهة الآخرين، والمبادرة بالتعارف، والقدرة على فتح مواضيع متنوعة للنقاش، ففي الدعوة.. الخجل والفشل وجهان لعملة واحدة.
وفي الانتخابات تظهر الجرأة واضحة جلية، فالجميع يتحدث إلى الجميع في أي مكان دون خجل، وتحدث صدامات تظهر فيها الشجاعة والإقدام والجرأة على مواجهة الظلم وقول الحق، وعدم الخوف.
إننا نحتاج إلى أن نستدعي هذه الجرأة في الحديث إلى الناس؛ لدعوتهم إلى الفكرة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عشرات المواقف التي نراها في حياتنا، وهذه الصفة بالتحديد، هي التي جعلت أمة الإسلام تستحق أن توصف بالخيرية دون سائر الأمم، يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية111)
3- التضحية:
تعد تجربة الانتخابات مثالاً حيًّا للتضحية في أوجه مختلفة، بدءًا من التضحية بالوقت، ومرورًا بالتضحية بالمال، وهي أمور تحتاجها الدعوة طوال الوقت، تحتاج إلى اقتطاع وقت ثابت للدعوة؛ حتى يستطيع الداعية أن يحقق إنجازًا معقولاً لدعوته، وتحتاج إلى إدراك أن التضحية بالمال أمر ضروري لنجاح الدعوة، وأن يجاهد الداعية نفسه في التغلب على شُحِّها، وأن يتغلب على مبررات كثيرة قد تمنعه من الإنفاق في سبيل الله، يقول تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية272).
كما أنها تحتاج إلى احتمال أذى الناس، والتسلح بالصبر عليه، فهو قدر الدعاة في كل زمان ومكان، وليتذكر أن الصبر عليه، ثمنه أجر بلا حساب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: من الآية10).
4- الوصول إلى هدف في وقت محدد:
الانتخابات تعلمنا الحركة السريعة، وأنه لا يكفي أن تضع هدفًا لتتحرك له وفقط، بل لا بدَّ من حساب الوقت، وإدخال عامل الزمن مهم في إدراك أي نجاح وتحقيق أي إنجاز، في الانتخابات نجد الحركات متسارعة، والأنفاس متلاحقة، والجميع يدرك أن التهاون في عامل الزمن يعني إدراك الفشل.
هذا السلوك نحتاجه بشدِّة في المجال الدعوي، فنحن نضع الخطط، ولكن كثيرًا ما يهرب منَّا الوقت، فالذي نخطط أن نحققه في شهر نحققه في ثلاثة، والذي نخطط أن نحققه في ثلاثة أشهر نحققه في ستة، وهو ما يورث عامل الاستهانة بالزمن، ما يهدر الوقت الذي يمثل جزءًا أساسيًَّا من رأس مال أي نجاح.
إن الانتخابات تكشف لنا في كل مرة عن أهمية عامل الوقت، فلنبدأ في الاهتمام به في المرة القادمة، بعد أن تتذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع؛ عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه".
فلننطلق للعمل
فوائد كثيرة كشفتها لنا الانتخابات، وما علينا الآن إلا أن ننطلق في العمل، بعد أن نعيد حساباتنا قليلاً، ونستفيد مما وقعت عليه بصيرتنا، علينا أن ننظم الصفوف من جديد، ثم نضع الخطط الواقعية والطموحة في نفس الوقت، خططًا تعتمد على الانفتاح على المجتمع والاتصال بشرائح متنوعة من الناس، ونتخلى في تنفيذها عن الخجل الذي يسد علينا الطرق، ويطيل علينا المسافات، ثم نجاهد أنفسنا، وندربها على التضحية في سبيل الله، ومن أجل دعوته، ثم نحترم الزمن، ونقدر عامل الوقت، فنشحذ الهمم، ونحفز النفوس حتى نصل إلى هدفنا في الموعد المحدد، ثم نفرح قليلاً بنصر الله، وبعدها.. نبدأ الانطلاق نحو هدف جديد.
فلنبدأ العمل من الآن..