ما أشبه الليلة بالبارحة، مصر يُكاد لها من الجميع، الكل متربص بالوطن وأبنائه، والدول الخارجية تتكالب على القصعة الدسمة وأهل القصعة أنفسهم لا يعرفون المدعوين، كل مدعو يختلف عن الآخر، فلك الله يا مصر فما المخرج من كل هذا؟!

 

البنا يرسم الطريق 

عندما أرسل الإمام الشهيد حسن البنا خطابًا إلى الملك فاروق الأول في رجب 1366هـ، كأنه بعين الحق يعيش بيننا الآن يقول فيه:

 

"إن أخطر العهود في حياة الأمم وأولاها بتدقيق النظر عهد الانتقال من حال إلى حال، إذ توضع مناهج العهد الجديد وترسم خططه وقواعده التي يراد تنشئة الأمة عليها والتزامها إياها، فإذا كانت هذه الخطط والقواعد واضحة صالحة قويمة فبشر هذه الأمة بحياة طويلة مديدة وأعمال جليلة مجيدة، وبشر قادتها إلى هذا الفوز، وأدلتها في هذا الخير، بعظيم الأجر وخلود الذكر وإنصاف التاريخ وحسن الأحدوثة. ولقد كانت المهمة ذات شطرين:

 

أولهما: تخليص الأمة من قيودها السياسية حتى تنال حريتها، ويرجع إليها ما فقدت من استقلالها وسيادتها.

 

ثانيهما: بناؤها من جديد لتسلك طريقها بين الأمم، وتنافس غيرها في درجات الكمال الاجتماعي.

 

وهذا ما حدث بالفعل عندما تحررت مصر يوم الخامس والعشرين من يناير من قيودها السياسية الظالمة، وسعد شعبها بالأمن والطمأنينة، وجاء الدور الثاني وهو بناء الأمة من جديد.

 

وجاءت الثورة 

ومنَّ الله وأراد للشعب المصري أن يتحرر من الطغيان فقامت ثورة 25 يناير 2011 ونهض الوطن من كبوته وتنحى مبارك، وآل الحكم إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتوعد المجلس بمدة ستة أشهر لانتقال السلطة للمدنيين، وهيهات؛ فللآن لم يف العسكري بوعوده للشعب المصري، فهل يحدث ما حدث من قبل؟!.

 

ثورة 1952 وثورة 25 يناير 

في 23 يوليو 1952م كان الجيش هو صاحب الانقلاب العسكري على الملك فاروق وتطهير البلد من الفساد، وسانده الشعب المصري ومشاركة الإخوان المسلمين واللواء عبد المنعم عبد الرءوف الذي حاصر فاروق حتى جلاؤه عن مصر، ولكن الجيش استبد بالحكم ورفض عبد الناصر الرجوع للثكنات العسكرية، ولم يسمع كلام الأستاذ حسن الهضيبي عليه رحمة الله فما كان من عبد الناصر إلا التنكيل بالإخوان كما يعلم الجميع.

 

وفي 25 يناير 2011م كانت إرادة الله بالتغيير عندما هبَّ المصريون بالثورة واشتعلت في جميع محافظات مصر، وتحت الضغوط تنحى مبارك، ولكن الجيش ساند الشعب في بداية الثورة ودافع عنهم واجتمع المجلس العسكري مع كل القوى السياسية، وهنا بدأ يحاك لمصر مرة أخرى وتدخلت أمريكا وإسرائيل.

 

فوق دستورية والسلمي 

بعدما أعلن العسكري فتح الترشيحات لانتخابات الشعب والشورى، وتقدمت كل التيارات الإسلامية بالقوائم الانتخابية، خشي العلمانيون والليبراليون وعلى رأسهم العدو الحقيقي أمريكا ومن وراءها بالتدخل والضغط على العسكري بتأجيل الانتخابات عن طريق:

 

دعوى الأحزاب الآن ليست على قدم المساواة بالإخوان.

 

الإخوان سيسيطرون على الحكم، وتحويل البلد إلى دولة دينية، ودعاوى أخرى خشية انتشار التيار الإسلامي الذي يقترب من الإصلاح والتغيير فظهرت المبادئ فوق الدستورية، ووثيقة الدكتور السلمي وانشغل الشعب بها، حتى كانت مليونية الديمقراطية 18/11، وظهرت فيها مصر كأنه يوم ثورة من جديد، وانصرف الإخوان وكل حريص على الوطن بعدما استجابت الحكومة والسلمي للمطالب وإرجاء الوثيقة لما بعد الانتخابات.

 

المؤامرة والمشير والإخوان 

لم يبق في ميدان التحرير إلا من يريد السوء بمصر، وأهلها إلا من رحم ربك ولا يدرك ماذا يراد من هذا؟، فكانت الفتنة وتدخل الشرطة واستشهاد الكثيرين، وظهرت الأدوات الحاقدة تدعو الإخوان للنزول إلى الميدان ولكن الإخوان فطنوا ولله الحمد إلى الوقيعة التي يراد من ورائها جر الإخوان للميدان وإشعال الفتنة بين الإخوان والجيش والشعب، وأعلن المشير في خطابه أن العسكري ملتزم بتسليم الحكم إلى سلطة مدنية وإجراء الانتخابات في موعدها المحدد، وأعلن الإخوان موقفهم من تلك الأحداث صراحة، ولماذا لم ينزلوا للميدان. كما قال الأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين.

 

"إننا لو كنا اشتركنا في هذه المظاهرات لتصاعد العنف والقتل والتخريب، وترتب على ذلك نتائج سيئة قد تصل إلى الانقلاب على كل أهداف ثورة 25 يناير".

 

الانتخابات هي الحل 

لذا الواجب على كل مصري أن يدرك تمامًا ما يحاك به من العدو الحقيقي الذي يسعى جاهدًا إلى تغيير الدستور ليحكم سيطرته علينا، كما يسعى إلى تأجيل الانتخابات المزمع إجراؤها، ولكن المجلس العسكري يؤكد إجراء الانتخابات في موعدها. 

 

فليكن أحدنا على ثغرة يخشى أن يؤتى من قبلها.