مصر.. كلمة صار لها وقع رائع في أيامنا هذه، صرت أسمعها تخرج من الأفواه وكلها روح وانتماء ووفاء وحب وإخلاص، صور تشاهدها- وأنت تتابع سير العملية الانتخابية- تلهب المشاعر وتذرف الدموع رجل طاعن في السن يذهب للجنته الانتخابية وكله بشر وسرور ونشاط، وصور الصفوف والناس وقوفًا تحت المطر والإصرار هو اللغة التي يتكلم بها الجميع للوصول والتصويب لمن يرونه صالحًا، وصورة أعجزتني عن التعبير.. شاب معوق يزحف على الأرض ليصل إلى لجنته، وامرأة عجوز يحملها رجال الجيش المصري ليدخلوها لتصوت.
يا سادة ليست أحلامًا رأيتها في منامي فأخذت أذكرها لكم ولكنها الحقائق التي رأيناها بأعيننا جميعًا، رأينا الدين وهو يجري في العروق كما تجري الدماء، رأينا الشعب المصري وهو يناطح الدور المتقدم، وهو يعيش ما هو مفروض أن يكون له، وفي وسط كل هذا المشاعر الرائعة التي أعيشها، تذكرت لحظة وقفت مع أحد الشباب، وما إن بدأت الحديث حول الانتماء لمصر حتى وجدته يضحك من حديثي، أي انتماء أتكلم فيه، آخذًا الحديث حول "لا" وكونها تُسير حياته كلها لا وظيفة، لا زواج، لا أمان، لا... لا...... لا.. لاءات كثيرة من كثرتها لا أذكر عددها.
شعرت كم أن الكلمة "مصر" صارت محط سخرية، كانت الفجوة كبيرة بين الموجود والمأمول، أما الآن فقد اقتربت المسافات، وكم صارت الكلمة "مصر" جميلة حانية راقية ممتعة.. مصر، تجمع ولا تفرق، جامعة لكل الأطياف والمذاهب والألوان، أحبك أيها الوطن، وما أروع ما قاله الجاحظ- رحمه الله-: "كانت العرب إذا غزت، أو سافرت، حملت معها من تربة بلدها رملاً وعفرًا تستنشقه".
وأما الإمام الغزالي فيقول: "والبشر يألفُون أرضهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويغضب له إذا انتقص".
مصر وطني الذي أحبه.. حب فطرت عليه.. وشوق غرس في.. كنت دائمًا اسمع وأقرأ واخطب "والله، إنّكِ لخيرُ أرضِ الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجتُ منك ما خرجت"، ولكني ولأول مرة أراها في عيون من حولي واسمعها في كلمات تصلني، شعرت بك يا حبيب الله محمد بن عبد الله صلى الله عليك وسلم شعرت بك وأنت واقف على مشارفك وطنك الحبيب ودموع الرحيل تسقط، وكلمات الوادع تخرج.. نعم مصر وطننا الحبيب الذي سنبذل ما في وسعنا لنبنيه ونعمره ونُشيده طاعة لربنا ونصرة لديننا.
يقول د. محمد بديع: "إن حب الوطن فطرة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويتشبث بالعيش على أرضه، ولا يفارقه رغبة عنه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجم "من مات دون أرضه فهو شهيد"، ويغضب له إذا انتُقص؛ ولذلك لا يمكن أن يكرهه، وإن أصابه فيه ما أصابه".
ويقول أ. خالد بن صالح الغيص: "وعندما هاجر إلى المدينة واستوطنها ألفها وحينها أحب المدينة ودعا الله أن يرزقه حبها فقال "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" فدعا ربه أن يجعل حبه للمدينة كحبه لمكة إذ في مكة مولده ونشأته وفي المدينة منزله ومسكنه وكلاهما وطنه وحبه.
أيها الوطن الحبيب.. لن نتوقف عن كلمات تخرج في لحظة انفعالية، ولكن حبنا لك روح تسري فينا، لن يكون الميدان ميدان قول بل ميدان فعل، ليست مشاعر وأحاسيس بل أقوال وأفعال، بداية سندعو ربنا أن يحفظ مصرنا كما دعا نبي الله إبرهيم صلى الله عليه وسلم لمكة المكرمة: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة: من الآية 126)، وسنتحرك في البناء، وسنحافظ على شوارعنا: "وإماطة الأذى عن الطريق صدقة"، سنعمل ونجتمع ولا نفرق، سيحب بعضنا بعضًا، وسنحترم الرأي المخالف مهما تباعدت وجهات النظر، أسأل الله أن يحفظ بلادنا ويجعلها آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--------------
* مدير تحرير موقع منارات ويب للعلوم الشرعية-