استقبلت النخبة المصرية تقدم الإسلاميين في "الانتخابات" كما يستقبلون الموت.. الكل يعلم أنه قادم.. ولكن حين يأتي يشعرون أنه باغتهم، ويعيشونه- في النهاية- باعتباره "مصابًا أليمًا"!.

 

نحن- إذن- هذا "المصاب الأليم".. ذلك الذي نزل بساحة المنفردين بالإعلام، والمنتجين "للكلمة" بكل أشكالها.

 

ونحن الذين أتينا بسبب جهل الشعب، باعتباره غير جاهز للديمقراطية!.. تمامًا كما ادَّعى "عبد الناصر" و"السادات" و"مبارك" و"عمر سليمان".

 

ونحن الذين اخترقنا "مثالية" تكافؤ الفرص؛ فاستغللنا فقر الشعب وقدمنا له السلع الرخيصة حين اكتوى بنار الغلاء، ووقفنا معه في أحزانه حين داهمته الكوارث والزلازل، ثم استثمرنا كل ذلك بدفعه إلى اختيارنا في "البرلمان"، كل هذا ولم نراع أن "نخبتنا" السياسية مشغولة في الفضائيات والكتابة والسفر، وكان علينا أن نضعهم فوق رءوس الشعب؛ لأنهم يفهمون ما لا نفهم، ويعرفون ما لا نعرف!.

 

انتهازيون- إذن- هؤلاء الإسلاميون، والإسلاميون في مصر فقط، هم الانتهازيون.. أما الإسلاميون في تونس والمغرب فهم واعون لدورهم، ومدركون لتحديات أمتهم، وهم يتحلون بكل الفضائل لا لشيء إلا لأنهم ليسوا مصريين!!.. بل إسلامهم هناك "علماني" متنور.. إي والله قالوا هذا؟!

 

أما هنا.. فانظر كيف يستغلون الدين لأغراض سياسية، وانظر كيف أشاعوا التمييز بين المحجبة وغيرها، وانظر كيف يتمسكون بـ"تطبيق الشرع"!!.

 

إنهم- أي نخبتنا- ليسوا ضد الإسلام.. ولكنهم ضد الفهم المغلوط للإسلام!!.. الذي هو فهمنا.

 

إنهم- أي نخبتنا- مؤمنون أن الإسلام دين ودولة، وليس فيه دولة دينية.. لكن المشكلة في الإسلاميين؛ لأنهم يدعون إلى دولة دينية!! دولة "الكرادلة"، و"التفويض الإلهي"، والاستبداد باسم الدين، واضطهاد "الأقباط"، وفرض "النقاب" من سن الرضاع، وتحطيم "الآثار"، ومنع بناء "الكنائس"، وحظر "الفنون" وإغلاق "السياحة"، و.. و..

 

النخبة تفهم جيدًا ولا تتصادم مع الإسلام، وتعرف كيف تدار الدول، وتواجه التحديات الداخلية والإقليمية والدولية، أما الإسلاميون فهم، ومعهم الشعب الذي انتخبهم- مصدر الغباء والظلام؛ فالشهادات العلمية التي يحصل عليها الإسلاميون ليست كنظيراتها التي يحصل عليها أسيادنا من "النخبة"، حتى ولو كانت من نفس الجامعة.. ونفس التخصص!.

 

ربما يتحصل الإسلاميون على شهادات الهندسة في بناء المساجد فقط؟.. أو شهادات الزراعة لإنتاج "التمر" فقط؟.. أو شهادات الغزل والنسيج لصناعة الجلابيب والعباءات الشرعية فقط؟.. أو ربما حصلوا على شهادة الطب ليمارسوا "الحجامة" و"طب الأعشاب" فقط؟، أما الذين حصلوا على شهادات في النظم السياسية فقد حازوها ربما لعقد هدنة مع "قريش" أو الحرب على "هوازن"!!.

 

هجوم، وافتراء، وتخويف.. بلا معنى، ولا ضمير.

ونحن- الإسلاميين- مساكين.. صباحنا كمسائنا؛ نقسم فيهما بأغلظ الأيمان، أننا نريد دولة العدل والمساواة والعلم والنهضة وتداول السلطة.. لا الدولة الدينية الأوروبية الظلامية المحاربة للعلم والحريات.. وأننا لن ننفرد بقيادة الأمة، ونؤمن- ونعلن- أنه ليس في قدرة فصيل واحد أن يحمل تبعة النهضة.

 

ولكن لا حياة.. ولا صوت.. لمن تنادى، فما العمل؟!

العمل أن نكون على قدر الثقة التي منحنا الشعب إياها، ولا نلتفت لهذه الترهات، وأن نقدم مثالياتنا في السياسة كما قدمناها في المجتمع.. عمل وسهر وإبداع، تخطيط وتنفيذ وإنتاج.

 

ثم.. أن نعرف كيف ننسق مع بعضنا أولاً كتيار سياسي إسلامي بأجنحة ومدارس متعددة.. حتى نستطيع أن نتآلف ونتحالف مع كل وطني ومخلص بصرف النظر عن دينه وجنسه.

 

القدر وضعنا في مواجهة بعضنا في انتخابات الإعادة.. قد تكون هذه فرصة للوقيعة بيننا، وقد تكون فرصة ذهبية لنعالج أخطاء البدايات، ونعمق مساحات الوفاق الكثيرة، ونضيق آفاق الخلاف القليلة، لنرد على الجميع بأرفع السلوكيات، ولنقدم منافسة سياسية تطمئن الشعب على أهلية من وثق فيهم.

 

هذا الشعب يستحق أن نضحي له، ومنهجنا الإسلامي يستحق أن نتناسى حزبيتنا وعصبيتنا.. والانتصار له.

-------------

* Mohamedkamal62@gmail.com