يا قارئي، ألست معي، حتى الساعة، ورغم ما حدث في جمعة 18 نوفمبر وما بعدها، لم أتعاطف مع الشرطة.. فأنا واحد من ملايين المصريين الذين تعرضوا للإهانة في مراكز الشرطة ومكاتب مباحث أمن الدولة، لم أكن في هذه الأماكن على إثر تهمة تتعلق بالمخدرات أو السرقة أو الفساد؛ إنما كنت فيها- في كل مرة- على إثر عمل خيري أو مؤتمر دعوي أو نشاط سياسي.
أنا أيضًا افترشت زنزانة مباحث أمن الدولة، التي تستهدف المساجد أكثر من استهدافها المواخر على حد علمي.
ذات مرة بتُّ لساعات طويلة في شدة البرد، في زنزانة شبيهة بالثلاجة، وشعرتُ- وأشعروني- أن الدنيا كلها تخلت عني، وحينما خرجت من مكتب "أمن الدولة" إلى سجن آخر، وحينما هممت أن أركب سيارة الأمن المركزي البغيضة، وجدت والدي من بعيد، وقد مُنع الوصول إليَّ، ومنعوني حتى أن أكلمه كلمةً واحدة.
كان والدي يقف من بعيد ينتظر لحظة خروجي إلى سيارة الترحيلات، لا أنسى أبدًا نظرته إليَّ وقتئذ.. نظرة بعينين حازمتين؛ ملؤهما الغيظُ الحنق، وملؤهما الحب والحنان أيضًا، وفي يده لفافة من طعام أعدته الوالدة الكريمة.
كان رجال الأمن يعاملونني كما لو كنتُ مجرم حرب أو زعيمًا من زعماء المافيا، غير أن رجال الأعمال منهم يُعاملون معاملةً كريمة.
إن الشعوب لا تدفع المال من كدِّ عرقها وكسب يمينها حتى تصنع جهازًا أمنيًّا يحفظ شخص الحاكم، فتنفق الأموال الطائلة، وتنشر الجواسيس بين الشعب، وتجمع المعلومات من أقاصي الأرض وأدانيها، ويُشوّشُ على وسائل الاتصال، وتقف حركة المرور، كل هذا كله من أجل سلامة الحاكم، ومن أجل أمن حفنة منتفعة بالحكم.
ولم يكن معشار هذا الجهد يذهب في إطعام البطون الجائعة أو تسليح الجيش الوطني، أو نشر الوعي، أو تثقيف العقول.
من هنا يتحول مفهوم الأمن من كونه أمن الأمة إلى أمن الشخص المترف القابع في قصر الحكم؛ فالحفاظ على أمنه هو أمن الدولة كلها، ومزاجه الخاص هو المزاج العام للدولة عن بكرة أبيها.. إن فرح فرحت الأمة، وإن غضب بكت الأمة.. وهكذا تكون صناعة الفراعنة.
وماذا عليه لو حكم فعدل، فنام وأمن، وأراح واستراح، ويتخفف من تلك الحراسات، فإنما هو بشخصه حارسٌ للأمة، ولم يكن الراعي يومًا يجعل من شعبه حرَّاسًا له ما بين خادمٍ، أو جاسوس أو شرطي، حتى وصل الحال بنا إلى أنْ كان المصريون يتفكَّهون على مثالب نظام مبارك، فيقولون: لقد جعل من الشعب المصري شعبين؛ الشعب الأول يتجسَّس على الشعب الثاني، أما الشعب الثاني فهو يتجسس على الشعب الأول!.
لو أن الحاكم قدم أمَّن شعبه على أمنه الشخصي، كما ينبغي أن يقدم مصلحة الأمة على مصلحته الخاصة، فإن الحاكم في هذه الحالة يتمترس بشعبه، ويجعل من الجماهير حراسًا له من دون تكلّف، كما ترى الزعماء الشعبيين يمشون بين الحشود من دون حراسة ، فتلك الحشود على استعداد أن تموت دون أن يُخلصَ إليه، بيد أن الزعماء الذين اغتالتهم شعوبهم قد اغتالوهم، وقد كان هؤلاء الزعماء في حصون من ورائها حصون، ذلك بأن الشعب لن يعجز أن يخلص إلى جلاده ولو تحصّن بمليون مدفع.
قد جعل مبارك من منتجعه الخاص بشرم الشيخ مكانًا هادئًا بعيدًا عن الشعب، بل شعبه في قارة إفريقيًا وهو في قارة آسيا إذا ما حسبنا سيناء ضمنها، ومع ذلك سقط حكم مبارك، كما سيسقط حكم العسكر والشرطي، ومن قبل سقط الملك فاروق، ومن قبلهم جميعًا ملوك وحكام، زواهم الزمن، وطواهم النسيان، واتُبعوا في هذه الدنيا لعناتٍ الناس، وتركوا من ورائهم سوء الذكر، وسيئ الألقاب.
آه.. آلان أدركتُ أن الحراسات المشددة، والقنابل المسيلة، لم تعصمهم ولم تحفظ أمنهم، إنما الأمن يتحقق في مجتمع العدل، ولا يناله إلا المقسطون.
وأخيرًا.. إذا أردنا وطنًا آمنًا؛ بحيث تكون مصر آمنًا لمن دخلها كما أراد الله، فينبغي إذن:
1- أن يكون وزير الداخلية وزيرًا مدنيًّا سياسيًّا، محبًّا للدين، فقيهًا بحقوق الإنسان دارسًا لعلم النفس.
2- تطهير الداخلية من الذين امتدت أيديهم فسفكت دماء الأبرياء، وعزلهم، وتقديمهم للمحاكمة.
3- إيقاف استيراد القنابل المسيلة للدموع والهراوات وغيرها من الوسائل التي استخدمت على مدار عقود في إهانة الشعب المصري، فإن قال قائل إن مثل هذه الوسائل موجودة في دولة متحضرة، قلت: إن هذه الوسائل تُستخدم بالفعل في دولة متحضرة لكن بأيد شرطة متحضرة.
4- إلقاء القبض على جميع البلطجية ومسجلي الخطر الذين تم إخراجهم أيام ثورة يناير أيام الفراغ الأمني، وذلك ألف باء أمن دولة، وليس من المعقول ألا يضع وزير الداخلية هذه الأولوية في جدول أعماله من أول يوم جاء فيه إلى الوزارة.
5- تثقيف العاملين بالشرطة تثقيفًا أخلاقيًّا وشرعيًّا؛ بحيث لا نرى الضابط الذي يسب الدين للشعب، وبحيث لا نرى الضابط الذي يضع العصا في أدبار الناس(!!)
إذًا ما تكاتف الشعب لتحقيق تلك التوصيات، فأحسب أن أولئك لهم الأمن وهم مهتدون.
--------
* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومدير تحرير موقع "نبي الرحمة"- yakoute@gmail.com