بعد أقل من عام على ثورة 25 يناير المباركة، وبعد أحداث متعاقبة وجدل لا ينتهي، يمكننا التقاط صورة مقربة للإستراتيجيات الفاعلة على أرض مصر- الثورة، خاصةً بعد اختبار المرحلة الأولى في الانتخابات البرلمانية.
ومن حيث التصنيف السياسي فإن لدينا نوعين من الإستراتيجيات:
الأولى: إستراتيجيات مضطربة.
الثانية: إستراتيجيات مخططة.
أما "الإستراتيجيات المضطربة" فينتهجها فاعلون سياسيون يختلفون في توجهاتهم وأساليب فعلهم، لكنهم يجمعهم توتر حاضر، وعدم يقين في المستقبل.
أما لاعبو "الإستراتيجيات المضطربة" فهم:
* شباب التحرير:
وهو اللاعب السياسي الإيجابي الأهم الذي يتبع هذه الإستراتيجية وهم الأكثر حرصًا على التمسك بمكاسب اللحظة الراهنة بشكل فوري وحاسم، وذلك باعتبار أحقية الثوار في جني ثمرة جهادهم فورًا، وباعتبار آخر هو انعدام الثقة في "المجلس العسكري"، والشباب يراهنون على أن الغد المشرق ليس هو الذي نخطط له من الآن، لكن الذي يصنعه هو الإصرار على نيل الحقوق الحاضرة.
وهذا سلوك له منطقه لا ينتقص منه وصفنا له "بالمضطرب"، لأن الاضطراب هنا ليس بسبب غياب الوعي، ولكن بسبب الإصرار على استكمال مسيرة الثورة.
وأتصور أن التمسك المتواصل بأعلى سقف لإصلاح الوطن- مهما كان مثاليًا- هو ضمانة ضاغطة على "المجلس"، ورقابة كاشفة لسلوكه، تحفظ للمرحلة الانتقالية مسارها الصحيح وتعيد العصمة لصاحبها الأصلي وهو الشعب، ولا نعول كثيرًا على اختلاف الشباب- أحيانًا- مع بعض القوى الأساسية (كالإسلاميين) في بعض الممارسات اليومية، ولا نعتبر هذا انقسامًا سلبيًّا ما دام الفريقان يعملان بكل طاقتهما محافظين على النسق الضامن للنجاح وهو (ضغوط شعبية- تفاوض- عمل سياسي).
* أما ثاني لاعبي "الإستراتيجية المضطربة" فهم الليبراليون وجيوش المجتمع المدنى:
وهؤلاء أصبح التمييز بينهم صعبًا، ولكن الفريق الأكثر وضوحًا ونشاطًا، هو الممثل للرؤية الغربية في صراع الهوية الذي بدءوه أثناء استفتاء 19/3، والأداة الأساسية لهذا الفريق هي "التأثير الإعلامي"، أما أجندتهم الأساسية فهي الحقوق المتكافئة والمواطنة، لكنهم ينجرفون إلى عداوة المنهجية الإسلامية، ومؤخرًا فقد انشغلوا بتحذير الشعب من مغبة انتخابه للإسلاميين، بل إنهم قد اعتبروا أن الشعب قد غُرر به في المرحلة الأولى للانتخابات حين أعطى صوته لهم.
وفي كل الأحوال فهم يعملون بدأب لتحويل قطار الإصلاح إلى وجهته الغربية، لكنهم يفتقدون الدعم الجماهيري أو القبول بريادتهم رغم شهرتهم الواسعة، ومن ثم نتوقع أن تتطور هذه "الإستراتيجية المضطربة" إلى "إستراتيجية مخططة" تستلهم الخبرة الغربية في التأثير المنهجي على السياسة والسياسيين.
وبشكل عام فإنهم يعتمدون خطابًا عدائيًّا للإسلاميين ويمارسون سياسة تخويفية من التشريع الإسلامي بينما لا يقدمون بديلاً موضوعيًّا كاملاً، وحل هذه المعضلة ليس في مقدورهم إلا حين يطورون نموذجًا ليبراليًّا وطنيًّا، ويعتمدون على مصادر مستقلة في التمويل.
ثانيًا: لاعبو "الاستراتيجيات المخططة"
* الإسلاميون:
وهم اللاعب الأساسي الذي يملك حضورًا واقعيًّا، وتصورًا مستقبليًّا، وآليات للانتقال للمستقبل وموارد بشرية لتنفيذ هذا التصور، هذا رغم التباين بين أطيافهم.
أما ركائزهم الإستراتيجية فهي:
- الحفاظ على هوية الوطن.
- ضمان حماية وتحقيق مكاسب الثورة.
- التصادم مع الفساد المؤسسي بكل أشكاله.
- الانتقال إلى المجتمع الديمقراطي الحر.
وفي سبيل ذلك نرى الإسلاميين يساهمون- بحسابات دقيقة- في "مليونيات التحرير"، ويتبنون مطالب المتظاهرين إذا لم يساهموا، ويقبلون الحوار والتباحث مع "المجلس"، وينخرطون في العملية السياسية....... ويسهل على الباحث توقع مواقفهم في الأحداث نظرًا لوضوح الإستراتيجية، وحفاظهم على التواؤم معها، وهذا ما يظهرهم أحيانًا بمظهر الواثق أو المغرور، وهم ليسوا كذلك، إنما هي وضوح الإستراتيجية.
* أما اللاعب الثاني في عالم "الإستراتيجيات المخططة" فهو "المجلس العسكري":
و"المجلس" واقع تحت ضغوط ثلاثة يحاول أن يوازن بينها، وهي:
- ضغوط الثوار لتحقيق مطالبهم (الحدية) اللا محدودة السقف.
- ضغوط أنظمة إقليمية لتخفيف الوطأة على "مبارك" وعائلته ورجال نظامه.
- ضغوط دولية للحفاظ على "منظومة حكم" أسستها "أمريكا" بعناية على مدار ثلاثين عامًا.
وإستراتيجية "المجلس" هي تحقيق ما يستطيع لكل "فريق" طبقًا لقوة ضغط هذا "الفريق"، ومن هنا فهو يبدو "عدوًّا للثورة" في نظر الثوار، ويبدو ضعيفًا لا يعتمد عليه في نظر الأمريكان، ويبدو صديقًا يرجى خيره في نظر الأنظمة العربية والإقليمية.
أما أدواته لتحقيق سياساته فهي استلهام "التخطيط" من خبراء ثقات، وهم غالبًا ممن لا يثق بهم الشعب، وتدشين قرارات مسنودة بهم ثم بمجموعات من العلمانيين الذين لا يحظون بقواعد شعبية، وقرروا استبدالها بمراكز سلطوية.
ومن هنا ترى "المجلس" مرتبكًا حينًا كأنه (عدو الشعب) ومستقيمًا حينًا كأنه (حبيب الشعب)...... والحقيقة أنه لا عدو ولا حبيب... ولكنها تبعات الإستراتيجية.
وهكذا نرى أن "الإستراتيجية المضطربة" يتبعها لاعب إيجابي هو "شباب التحرير"، ولاعب سلبي وهم "الليبراليون" وأغلب عناصر "المجتمع المدني".
كما أن "الإستراتيجية المخططة" يتبعها لاعب إيجابي وهم "الإسلاميون" ولاعب سلبي وهو "المجلس".
------------------