لم أعتَدْ التعليق على المقالات الصحفية ولكن لأن الكاتب متخصص في الاقتصاد كما ورد بموقعه على الإنترنت ونشرت المقالة بجريدة "المصري اليوم" ونشرت في وقت ومصر على مفترق طرق لذا وجب التعليق.

 

نشرت جريدة "المصري اليوم" مقالة للأستاذ شيرين القاضي يوم 3/12/2011 تحت عنوان "الخسائر الاقتصادية تحت حكم الأحزاب الإسلامية"، وبالمناسبة فإن الأستاذ شيرين القاضي كما جاء على موقعه على الإنترنت؛ رائد من الرواد في مجال الاقتصاد وبنوك الاستثمار وخريج كلية الاقتصاد والتجارة العالمية من جامعة نيو إنجلاند بإنجلترا عام 1982، ومُحاضر في مجال التحليل الاقتصادي المالي بمصر وخارجها؛ بالإضافة إلى خبراته العملية العديدة.

 

أما خلاصة مقالته أن الاقتصاد المصري سيخسر 218 مليار جنيه وإضافة 7 ملايين عاطل إلى سوق العاطلين وحرمان 22 مليونًا من لقمة العيش إذا حكمت الأحزاب الإسلامية، فالسؤال هو: كيف توصل الأستاذ شيرين القاضي إلى هذه الأرقام الغريبة التي لا تستند إلى أي أساس اقتصادي أو علمي؟ وهل اتبع منهجًا صحيحًا في التحليل أم لا؟!.

 

هذا ما ستوضحه هذه المقالة بإذن الله:

أولاً:

بداية تستند المقالة إلى نقطة جوهرية، وهي كما جاء في الفقرة الأولى من المقالة ملخصة كالآتي:

 

- من أهم الأهداف السياسية للأحزاب الإسلامية السيطرة على البرلمان بالأغلبية، وكذلك لجنة وضع الدستور.

 

- من خلال لجنة الدستور ينوون "هكذا لفظًا في المقال" حذف كلمة مبادئ من المادة الثانية للدستور وصياغتها؛ لتصبح "وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية".

 

* وإذا نجحوا في ذلك على ضوء الانتخابات الحرة فهذا يعني تطبيق الشريعة بمفهومهم "تطهير البلاد من كل فساد ونجاسة وشرك" ومن أهم تلك الخطوات:

 

- إلغاء السياحة "المتبرجة" على شواطئنا.

- تعطيل ثروات تراثنا الفرعوني والقبطي القديم.

وهو ما يتنافى في نظرهم مع أحكام الشريعة الإسلامية حسب تفسيرهم ورؤيتهم (انتهى الاقتباس).

 

وللرد على هذه النقطة الجوهرية هناك عدة أسئلة:

1- ماذا لو لم يكن في نية الأحزاب الإسلامية وعلى رأسها الحرية والعدالة حذف كلمة مبادئ كما يدّعي صاحب المقال؛ خاصّة أنه لا يوجد في برنامج الحزب العام ولا البرنامج الانتخابي؛ بل لم يصدر تصريح أو تلميح أو إشارة إلى ذلك، فمن أين جاء صاحب المقال بهذه الفرية؟!.

 

2- من لديه معرفة بسيطة بعلم الشريعة وأحكامها يستحيل أن يرفع كلمه "مبادئ" من نص المادة الثانية من الدستور كما يدّعي، نظرًا لأن حذف هذه الكلمة يمنع تنفيذ هذا البند؛ لأن أحكام الشريعة عبارة عن آلاف المسائل والأحكام واختلافات بين الأئمة في الأمور التفصيلية؛ ولذلك لا يعقل أن يضع أحد تلك الصياغة في الدستور.

 

3- برامج الأحزاب الإسلامية وخاصة برنامج حزب "الحرية والعدالة" يركز على التنمية الشاملة ومنها السياحة والنهوض بها، ومن المغالطة الواضحة إرهاب الناس بفكرة غير موجودة بهدف تشويه فصيل سياسي اختاره الشعب.

 

وبالتالي فلا أحد قال بذلك، كما أنه يستحيل صياغته عمليًّا.

وبذلك فإن المقالة كلها مبنية على هذا الافتراض الخطأ، وغير المنطقي والمستحيل عمليًّا، وبذلك فكل ما بُنيَ عليه يصبح غير ذي جدوى.
ثانيًا: الأرقام وطرق الحساب المُضللة:
توصل الأستاذ شيرين القاضي كما أوضحنا في أول المقالة إلى أن خسارة السياحة قد تصل إلى 218 مليار جنيه؛ فمن أين أتى بهذه الأرقام وبيانها كالآتي:

 

وبذلك فإن المقالة كلها مبنية على هذا الافتراض الخطأ، وغير المنطقي والمستحيل عمليًّا، وبذلك فكل ما بُنيَ عليه يصبح غير ذي جدوى.

 

ثانيًا: الأرقام وطرق الحساب المُضللة:

توصل الأستاذ شيرين القاضي كما أوضحنا في أول المقالة إلى أن خسارة السياحة قد تصل إلى 218 مليار جنيه؛ فمن أين أتى بهذه الأرقام وبيانها كالآتي:


ويختتم تحليله الغريب بقوله: "الحصيلة التقديرية لكل هذه الأرقام المذكورة عزيزي القارئ تصل إلى 218 مليار جنيه! سنويًّا!!،

 

وهي عبارة عن دخل وإنفاق واستثمار مباشر وغير مباشر يدور حول قطاع السياحة ويمثل 16% من إجمالي الناتج القومي المحلي السنوي لمصر؟!.

 

ومرة أخرى هناك عدة تعليقات:

1- كما تعلمنا في سنة أولى كلية اقتصاد والعلوم السياسية عند حساب الناتج المحلي الإجمالي فإن الدخل والإنفاق هما وجهان لعملة واحدة؛ فيمكن أن نحسب الناتج المحلي من جانب الدخل وهو إجمالي دخول عناصر الإنتاج الأربعة (عمل- رأس مال- أرض- تنظيم)، أو حسابه من جانب الإنفاق؛ أي إجمالي إنفاق القطاعات الاقتصادية المكونة للاقتصاد القومي (قطاع عائلي، وقطاع حكومي، وقطاع الأعمال)، وبالتالي لا يصح أن نجمع الطريقتين، فإذا كان الناتج المحلي الإجمالي 1.3 تريليون جنيه بطريقة الدخل، أما الطريقة الثانية من جانب الإنفاق فإن الناتج المحلي الإجمالي 1.3 تريليون جنيه، فلا يصح جمع الناتج بالطريقتين ليصبح 2.6 تريليون، وإلا كان ذلك عبثًا مقصودًا.

 

فهذا تكرار للمبلغ لا يقع فيه مبتدئ في الاقتصاد؛ الهدف منه تضخيم الخسائر- إن وجدت- وعمل فزع للقارئ، وسيكون كمن يقيس طول عمارة بالمتر وهي 20 مترًا وهناك طريقة أخرى للقياس بالقول إن العمارة خمسة أدوار وكل دور 4 أمتار؛ إذن طول العمارة طبقًا لهذه الطريقة 20 مترًا، ثم نفاجأ به يقول إذن من الطريقتين فإن إجمالي طول العمارة يبلغ 40 مترًا!! فهل يقول هذا عاقل؟!!.

 

وبالتالي سنكتفي بالدخل أو بالإنفاق وليس هما معًا، مع وجود تحفظ على طريقة حساب الدخل السياحي كما وردت في بيانات البنك المركزي ليس هنا محلها.

 

2- البنود (2)،(3)،(4)،(5)،(8) هي تفصيلات للدخل الذي جاء بالبند (1)، فلا يصح جمعها مرة أخرى مع الإجمالي، ومثال للتوضيح: لو أن هناك منحة قدرها 100 مليون جنيه لجامعة القاهرة توزع لعشر كليات بالتساوي ولأي سبب توقفت هذه المنحة.. فهل يكون قد فقدنا 100 مليون فقط، وليس خسارة 100 مليون زائد حصة كلية التجارة زائد حصة كلية الطب؛ فذلك يكون تكرارًا الهدف منه مضاعفة الرقم؟ وأيضًا يا أستاذ شيرين، هذا إيراد فإذا لم تحصل الشركة على إيرادات ليس هذا خسارة لها.. فالخسارة هي الفرق بين الإيراد والمصروفات، وبالتالي الرقم لا يتعدى 10% مما ذكرت في حالة صدق الأسس التي بنيت عليها.. وهي كما أوضحنا أولاً غير صحيحة بالمرة؛ بالإضافة إلى أن شركات البيرة والنبيذ والكحوليات جزء من إنتاجها مشروبات الشعير وفيروز، وأيضًا جزء كبير يستهلك داخل البلد؛ فهذا الإنتاج ليس مخصصًا للسياحة فقط.

 

3- أما البنود 9 و10 فهي- كما تقول يا أستاذ شيرين- استثمارات وليست دخلاً أو إنفاقًا، وبالتالي الاستثمارات لا تضيع أو تفقد، والذي يفقد منها الإهلاك طبقًا لمعايير المحاسبة الدولية، وبالتالي لو كان هناك مثلاً استثمار في فندق ما؛ فبفرض عدم وجود سياحة لا نفقد هذا الفندق بالكامل؛ بل ما نخسره سنويًّا هو الإهلاك فقط؛ حيث يتم استهلاك الفندق على عشر أو عشرين سنة، وبالتالي صحة الرقم لا تتعدى 5% وهذا لو كانت السياحة صفرًا.. وهذا غير منطقي.

 

وبناء على ما سبق يتضح أن هناك خلطًا متعمدًا بين الدخل والإنفاق والاستثمار، فكما لا يصح أيضًا جمع كيلو ذهب مع قنطار قطن مع عشرة أمتار من الخشب؛ فلا يصح هنا أيضًا الجمع بين متغيرات لا يجوز الجمع بينها. 

 

 ثالثًا:

يقول الأستاذ شيرين في أول المقالة: "وتمثل الخدمة السياحية في مصر 50% للشواطئ بالأخص في شرم الشيخ والغردقة وسفاجا، والـ50% الأخرى سياحة آثار في جنوب الصعيد". 

 

 ندري من أين يأتي بهذه الأرقام العجيبة؛ فطبقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن توزيع السياحة حسب نوع الزيارة موزع كالآتي:

 

 

هدف الزيارة

% الزائرين

المتاحف والآثار

34

ترفيه

44.7

علاج

2.5

دراسة

2.5

مؤتمرات

8.

زيارة أقارب

6.2

سياحة رجال أعمال

8.9

حوافز ومعارض

3.

أخرى

1.

 

100%

وبذلك ترى كثيرًا من الدراسات أن إمكانات مصر لزيادة نسب بعض أنواع السياحة ممكن وميسور، وزيادة نصيب مصر من السياحة العالمية أمر ممكن؛ خاصة أننا نمتلك أكثر من ثلث آثار العالم، وهذا ذُكِر في برنامج حزب "الحرية والعدالة" نصًّا من ضرورة الاهتمام بأنواع السياحة الأخرى لزيادة نسبتها؛ بالإضافة إلى زيادة حصة مصر السياحية عمومًا بالمقارنة بدول العالم (راجع التفاصيل في برنامج الحزب إن شئت).

 

رابعًا:

وأخيرًا، الأخطاء نفسها في تقدير العمالة ومحاولة تضخيمها سواءً المباشرة أو غير المباشرة، مثال ذلك ما جاء في المقالة من أن هناك مليون عامل يعملون في الطيران المدني؛ هل هذا معقول؟!.

 

لأنه طبقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن العاملين بالنقل والاتصالات والطيران المدني يمثلون 50% من العاملين بالهيئات الاقتصادية وبما يعادل 163765 عاملاً يخص الطيران المدني، وهو عدد أقل من ذلك، وليكن أقل من مائة ألف عامل فكيف يصل الرقم إلى مليون؟!.

 

أما الحديث عن أن الأحزاب الإسلامية "تكفر من حولها" فمن قال هذا يا رجل؟!! أتحداك أن تأتي بوثيقة أو قول أو فعل من الأحزاب الإسلامية يدل على ذلك فهذا كلام مرسل ومغلوط وهدفه الإثارة.

 

الخلاصة:

- لم يتبع الكاتب منهج الاستنباط والاستدلال فيما توصل إليه بخصوص محاربة الأحزاب الإسلامية للسياحة في مصر.

 

- لم يقم باستخدام المنهج العلمي لأثر السياحة على الاقتصاد القومي.

 

- أيضًا ترتكز المقالة على افتراض مستحيل! وأكرر: مستحيل!، وهي بصعود الإسلاميين ستكون السياحة صفرًا، وأكرر مرة أخرى: يفترض المقال أن السياحة ستكون صفرًا وهذا غير منطقي، والهدف مرة أخرى ليس التنبيه والتحذير ولكن التضليل لنصرة توجه سياسي ضد آخر، وليس لمصلحة مصر فهل يعقل أن السياحة العربية والماليزية يمكن أن يتأثرا بوجود إسلاميين في الحكم؟!.

 

- المقالة هدفها سياسي، وهو محاربة فصيل ومحاولة تشويهه بأي ثمن حتى لو خالف أي قواعد علمية، المهم توصيل الرعب والتخويف قبل جولات الإعادة للمرحلة الأولى والمراحل التالية لها.

 

- لا أقصد من ردّي هذا التهوينَ من قطاع السياحة من حيث حجمه من الناتج المحلي أو عدد العمالة به، ولكن المقصود هو الدراسة العلمية، وعدم خلط التوجه السياسي بأصول التحليل الاقتصادي.

 

- نتائج المرحلة الأولى الانتخابية خاصة في الأقصر والبحر الأحمر اللتين أغلب سكانهما مرتبطون بالسياحة، توضح تقدم الإسلاميين بنسب كبيرة؛ مما يدل على قناعة الناس بقدرة الإسلاميين على النهوض بالسياحة وليس محاربتها كما يروج البعض.

 

- متفائل بقدرة الإسلاميين على النهوض بقطاع السياحة؛ بل الاقتصاد عمومًا، وهذا للأسف ما لا تتمناه بعض الفصائل، ليس كرهًا في مصر ولكن كرهًا في الأحزاب الإسلامية وإن احترقت مصر!!.

 

-----------

* عضو اللجنة الاقتصادية بالحرية والعدالة.