![]() |
|
تامر بكر |
الليبرالية هي درة الفكر الغربي، ويحسبُ الغرب أنه قدم للإنسانية نموذجًا لم يسبق له مثيل؛ فهي في نظره أرقى مستوى للفكر الإنساني.
وبعيدًا عن نقد لُبّ فكرة الليبرالية أو الدفاع عنها، فقد وجدت قطاعات كبيرة من الشعب المصري أغلب الليبراليين يظهرون بمظهر المتناقض بل والانتهازي أيضًا.
فعلى سبيل المثال- لا الحصر- لهذا التناقض نرى كاتبًا روائيًّا ليبراليًّا، كان يقول قبل الانتخابات جازمًا: "إن (الانتقال إلى سلطة مدنية عبر انتخابات نزيهة هو الطريق الوحيد لإنقاذ الثورة، وأيًّا كانت القوى التي ستفرزها الانتخابات البرلمانية سنتعامل باحترام معها حتى لو اختلفنا معها)، ولكنه بعد نتيجة المرحلة الأولى وعندما تبين فوز الإسلاميين بنسبة كبيرة قال:
(الانتخابات البرلمانية الآن المقصود بها هو إزالة الشرعية عن الثورة المصرية)، ثم وصف عملية التصويت بأنها: (نمط جديد من الانتخابات المزيفة حيث شهدت تزوير إرادة الناخبين!).
ومن تلك التناقضات أيضًا ما يقوم به الإعلام الليبرالي بمذيعاته ومذيعيه الذين كانوا في مثل هذا التاريخ من العام العامي الماضي 2010م يتغنَّون بنزاهة انتخابات أحمد عز وصفوت الشريف!!، فإذا بهم الآن يُركّزون ويضخِّمون أية شاردة أو واردة من المخالفات التي قد تحدث في الانتخابات في أعرق الديمقراطيات في العالم، يريدون بذلك وصم أنزه انتخابات مرت بمصر- كما يشعر بذلك الناس جميعًا– بأنها مزورة!، فقد أصرَّ ذلك الإعلام على أن يبرز مسألة الدعاية الانتخابية؛ لدرجة أنهم يكادون يطالبون الناس بالصمت في طوابير الانتخابات الطويلة وعدم التحاور والنقاش فيما بينهم حول اختياراتهم للمرشحين؛ احترامًا لفترة الصمت!، هذا في الوقت الذي نجدهم فيه لا يكفون عن الدعاية لليبراليين في جميع وسائل الإعلام بطريقة مباشرة وغير مباشرة، بل والدعاية المضادة أيضًا ضد الإسلاميين.
وليس هذا فحسب؛ بل إن بعض الليبراليين الذين ما توقفوا عن مغازلة شباب الثورة بالحديث عن مشاركتهم وإتاحة الفرصة لهم، وضاقوا ذرعًا بالناشطة السياسية أسماء محفوظ عندما قررت الترشح للانتخابات، ومارسوا ضغوطًا هائلة عليها حتى تركت المضمار لهم وابتعدت عن السباق.
لذا فقد حاولت أن أستقصي أسباب نجاح الإسلاميين، وفي القلب منهم جماعة الإخوان المسلمين، من خلال ما يقوله الناس فيما بينهم ممن أتعامل معهم، ومن خلال ما يُنشر على شبكة "الإنترنت" من آراء.
ففي الوقت الذي كان فيه الليبراليون وإعلامهم يفعلون ما ذكرته آنفًا نجد أن القيادات المحلية في الأقاليم من جماعة الإخوان المسلمين تخاطب الناس بخطاب مختلف تمامًا؛ فنجد كلامهم مفعمًا بالأمل وبالبشريات والتطمينات لجميع المصريين، ولنأخذ مثالاً لأحدهم ممن يتصل بعوام المصريين ويعيش بينهم، وهو المهندس جمال الأصولي من مدينة دمنهور، يقول على صفحته الشخصية على (الفيس بوك): "يتحدثون عن قوة تنظيم الإخوان: وهي ترجع في الأساس إلى أن لهم غاية يعملون لها؛ ألا وهي رضوان الله والجنة؛ لذلك تراهم يبذلون ويضحون ويعملون ليل نهار حسب المتاح لهم، وأعتقد في مناخ الحرية الجديد سيتم استثمار الإمكانات كافة التي لديهم من علماء وباحثين وخبرات ودراسات عديدة قدموها في الماضي للبرلمان لنهضة مصر، والأهم أنهم سيستفيدون من كل طاقات المجتمع عند الآخرين من كل الأطياف السياسية والأيديولوجية، ولن يقصوا أحدًا بإذن الله؛ لذلك أعتقد أن تجربتهم ستنجح نجاحًا مبهرًا؛ لأن من كان الله غايته فلا بد أن يوفقه ويعينه".
وأما النشطاء السياسيون، فكانت آراؤهم كما يلي:
تقول الناشطة السياسية طاهرة عامر على صفحتها على (الفيس بوك): "أنا أتابع تحليلات كثيرة جدًّا للكتّاب النخبويين منذ انتهاء المرحلة الأولى من الانتخابات المصرية؛ كلهم يعزون أسباب نجاح الإسلاميين من رحم الربيع العربي إلى أسباب كثيرة؛ أغلبها لا يعكس الحقيقة؛ فتارةً يعزون أسباب النجاح إلى الثراء والتمويلات الخليجية، وتارة إلى فقر الشعب وجهله، وتارة إلى صفقات مع الأنظمة المستبدة؛ حتى يُستخدموا كفزّاعات للغرب؛ فيختار الغرب الاستبداد على الإسلاميين، وتارة إلى القدرة الهائلة على التنظيم، ثم يصفوا الانتخابات بأنها معركة غير عادلة مع الإسلاميين؛ لأنهم الأقوى، وأن الإسلاميين اغتالوا النخب العلمانية معنويًّا أمام الشعب من خلال التكفير!.
لكنهم لم يجيبوا على هذا السؤال: ما الذي منع العلمانيين من تنظيم أنفسهم في العقود الفائتة؟ لماذا لم يثابروا على نشر رسالتهم كما ثابر الإسلاميون رغم أنهم كانوا يمتلكون الإعلام والتلويح الأمني؟ كما أنهم يتناسون الاغتيال المعنوي والجسدي الذي مورس ضد الإسلاميين لعقود، وتشويه صورتهم في وسائل الإعلام.
يقول الأستاذ محمد هلال على صفحته على (الفيس بوك): "تجربة الشعب المصري مع الليبرالية تجربة مريرة على الصعيد الخارجي والداخلي، فقد اقترنت في الوعي بالاستبداد والفساد والانتهازية؛ فالغرب المتزعم للمنهج الليبرالي دعم الديكتاتورية والفساد وسلب الثروات، بينما الليبراليون في الداخل دعموا الديكتاتورية ودعموا الرأسمالية المتوحشة واقترنوا بمظاهر الفساد والظلم.
بينما التجربة مع التيار الإسلامي اتسمت بالود والثقة في تيار اتسمت أفعاله تجاه الشعب بالرحمة والمواساة والالتحام والمؤازرة في أحلك الظروف وأقساها على الجميع؛ فقد تواضعوا للشعب واقتسموا معه لقيمات بسيطة وشاركوه آلامه وأفراحه (يقصد في زلزال عام 1992م وغيره).
هذا يفسر لماذا أقبل الشعب على التيار الإسلامي، وكره التيار الليبرالي، فالتجربة السابقة هي التي تقود هذا الشعب إلى الثقة فيمن وقف بجانبه سابقًا، ومعاداة من ظلمه سابقًا.
أما أهلنا ممن لا يعرفون كيفية تشغيل أجهزة الحاسب الآلي، فقد كانت آراؤهم كما يلي:
سألتُ بائع الخبز بعد أن علمتُ أنه أدلى بصوته في الانتخابات لصالح حزب الحرية والعدالة:ماذا اختار المصريون الإسلاميين؟
فقال بما معناه : "ببساطة لأن المصريين يريدون من يخاف الله؛ لأن من يخاف الله سيخاف القانون، ولكن من يخاف القانون ليس من الضروري أن يخاف الله، ولقد كان حسني مبارك وأعوانه يُغيّرون القوانين لصالحهم ولو كان يخافون الله لما فعلوا لذلك!".
وقال لي آخر (بائع الفول): "لأنني أريد رئيس وزراء ابن بلد، مثل إسماعيل هنية، فقد رأيته في صورة وهو يجلس على الأرض يأكل مع البسطاء من أمثالي"، ولطالما سمعت من زملائي في العمل وبعد انتهاء صلاة الجمعة من يقول: "جربنا كل شيء.. العلمانية والليبرالية والاشتراكية والرأسمالية.. فلِمَ لا نجرب الفكرة الإسلامية؟!".
