تتوالى في السودان انشقاقات قادة ميدانيين عن قوات الدعم السريع وانضمامهم إلى صفوف الجيش، في مسار يراه البعض جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إضعاف خصم الخرطوم من الداخل، فيما ينظر إليه آخرون بوصفه خطوة محفوفة بالمخاطر قد تفاقم تعقيدات الحرب المستمرة.

وتثير هذه الانشقاقات جدلاً واسعاً، ولا سيما أن عدداً من المنشقين ارتبطت أسماؤهم بمعارك دامية وانتهاكات جسيمة، ما يطرح تساؤلات عن تداعيات استقبالهم داخل معسكر الجيش، بين رهانات المكاسب العسكرية ومخاوف تكريس الإفلات من العقاب وتعميق الانقسامات القبلية والسياسية في البلاد.

في إبريل، أعلن القيادي في مليشيا الدعم السريع النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القبة"، انشقاقه. وكان القبة، الذي يتحدر من منطقة القبة بشمال دارفور، قائداً ميدانياً في العملية العسكرية التي انتهت بسيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر، حيث أكدت تقارير الأمم المتحدة حصول إبادة جماعية ومذابح في أثناء الهجوم عليها. وتبع القبة قادة آخرون، منهم علي رزق الله الشهير بـ"السافنا"، الذي قاد أيضاً معارك في دارفور، وبشارة الهويرة الذي قاتل في كردفان غربي السودان.

وتعزو الباحثة في شئون السودان خلود خير، انشقاق القبة والسافنا، لا إلى تغيير عقائدي، "بل إلى عدم تلبية مطالبهم بمزيد من المكاسب". وتقول: "أراد القبة أن يصبح محافظ شمال دارفور، لكن مليشيا الدعم السريع قالت لا"، فيما قوبل طلب السافنا بالحصول على مزيد من الأموال والعلاج خارج السودان بالرفض. وفي مقابلة تلفزيونية عقب انشقاقه، انتقد السافنا هيمنة عبد الرحيم دقلو، شقيق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، على القرارات القتالية وعلى الموارد والتسليح والصلاحيات المرتبطة بتلقي العلاج.

وأفاد مصدر عسكري في الجيش السوداني وكالة فرانس برس بأن "انشقاق القبة والسافنا حصل وفق عمل استخباري"، موضحاً أن "الهدف الأساسي تفكيك المليشيا من الداخل"، وواعداً بمزيد من الانشقاقات. وأعلن القبة في مؤتمر صحفي في الخرطوم بعد انشقاقه أن "قيادات كبيرة وثلاث مجموعات" قتالية رافقته. كذلك انشق السافنا بصحبة أعداد من المقاتلين.

وينذر انتقال مسلحين حاربوا في صف الدعم السريع إلى مناطق سيطرة الجيش في الخرطوم وحولها بمواجهات محتملة بسبب الإرث العدائي، بحسب خير. واستقبل الجيش السوداني قائداً تلو آخر بأذرع مفتوحة. في دنقلا، عاصمة الولاية الشمالية، استقبل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان القبة فور وصوله من إقليم دارفور. وأظهرت صور بثتها القوات المسلحة عناقاً بين الرجلين. وقال البرهان إن الأبواب "مشرعة أمام كل من يريد إلقاء السلاح والانضمام إلى مسيرة البناء الوطني".

وعلى مدار العام الماضي، ظهر إلى جانب البرهان مراراً أبو عاقلة كيكل، قائد قوة "درع السودان" التي كانت جزءاً من الدعم السريع في ولاية الجزيرة وسط البلاد. ولعب انشقاق كيكل وانضمامه إلى الجيش دوراً حاسماً في هزيمة الدعم السريع في الجزيرة. وبرغم ذلك، لا يتحمس كثيرون لنقل السلاح هذا من كتف إلى آخر.

وفي العاصمة السودانية، قال عبد الماجد محمد السيد (54 عاماً)، الذي قتل ابنه خلال فترة سيطرة الدعم السريع على الخرطوم: "مشاهد الاحتفاء بأمثال القبة والسافنا مستفزة للغاية". وأضاف لوكالة فرانس برس: "لن أتصالح مع هؤلاء القتلة بهذه البساطة".

وانتقدت الناشطة السودانية هالة القريب، في منشور عبر "إكس"، "الافتقار الواضح إلى الندم، وغياب أي آلية من جانب الجيش لمحاسبة المسئولين عن الفظائع المرتكبة بحق الشعب السوداني".

وترى أن ذلك يكشف أن الجيش ومليشيا الدعم السريع "وجهان لعملة واحدة"، بينما يقدم الجيش نفسه "على أنه مؤسسة، وأنه حامي السودان، فيما الدعم السريع مجرد مليشيا ومجموعات مسلحة قبلية". كذلك ينذر احتضان الخرطوم للمنشقين بانقسامات محتملة داخل معسكر الجيش الذي يضم قادة، بينهم مثلاً حاكم إقليم دارفور مني مناوي، يتزعمون قبائل تعرضت لمذابح على أيدي مليشيا الدعم السريع.

ويشهد السودان منذ إبريل 2023 حرباً بين الجيش وقوات الدعم السريع تسببت في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 11 مليون شخص، في ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وقال الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين يان إيجلاند، إن أزمة النزوح في السودان باتت تضاهي في حجمها أزمتي سورية وأوكرانيا في ذروتهما، لكنها لا تحظى بالاهتمام الدولي الكافي.

وأرجع ذلك إلى تراجع الاهتمام الدولي بالأزمات الإنسانية، وتصاعد النزعات القومية وأولويات إعادة التسلح في الدول الغنية. وحذر إيغلاند من أن تجاهل الأزمات الإنسانية في أفريقيا ستكون له تداعيات تتجاوز حدود القارة، مشدداً على أهمية الاستثمار في الاستقرار والتنمية لتجنب موجات جديدة من النزوح والهجرة والأزمات الإنسانية.