بدأت حكومة نوري المالكي في التداعي والانهيار.. هذه هي الحقيقة المهمة التي تبرزها التطورات السياسية الأخيرة التي تمر بها العراق، ولكن المشكلة الأكبر أنَّ قضية الانهيار الحكومي الراهن في العراق لا تعبر فقط عن أزمة حكومة فحسب؛ بل تمتد لكي تعبِّر عن أزمةٍ عميقةٍ في الساحة السياسية العراقية تنذر بإطالة أمد الأزمة في العراق بما في ذلك جوانبها الأمنية على ارتباط العنف الدموي الرَّاهن الموجَّه للعراقيين- وليس الذي تقوم به المقاومة العراقية المسلحة ضد الاحتلال الأمريكي والأجنبي في البلاد- بالفصائل السياسية الموجودة حاليًا في العراق، وتصاعده بتصاعد الخلافات بين الفرقاء العراقيين.

 

ولعل السبب الأساسي في حالة الأزمة الراهنة المتصاعدة بالرغم من الجهود التي تقوم بها بعض الأطراف السياسية العراقية والعربية يكمن في الممارسات التي تقوم بها رئاسة الحكومة ممثلةً في رئيس الوزراء نوري المالكي الذي أدَّت سياساته ومواقفه إلى نتائج بالغة السوء على العملية السياسية في العراق.

 

وقد أدَّت سياسات المالكي إلى إفساد العلاقات بين أطراف هذه العملية الرئيسيين وهم جبهة التوافق العراقية العربية السنية بمكوناتها الثلاث؛ الحزب الإسلامي وجبهة الحوار الوطني ومؤتمر أهل العراق، والأكراد بحزبيهم الرئيسيَّيْن، وأخيرًا الشيعة ما بين الصدريين والائتلاف الشيعي الموحَّد الذي يضم حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى في العراق بزعامة الدكتور عبد العزيز الحكيم الذي على علاقةٍ أفضل من غيره من شيعة العراق بإيران وبالمرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني.

 

ولعل مخاطر الدَّور الذي لعبه المالكي تحديدًا- وليس حكومته- في تفتيت الجبهة السياسية الداخلية العراقية أكثر مما هي ممزقة أنَّ هذا الدور قد مسَّ العلاقات ما بين الجماعات السياسية العراقية، والعلاقات ما بين الجماعات السياسية بوجهٍ عام هي أساس الاستقرار أو عدم الاستقرار داخل أي كيان سياسي من مستوى الدولة وحتى مستوى الحزب.

 

المالكي وأزمته
 
 الصورة غير متاحة

نوري المالكي

الحقيقة أنَّ المالكي وهو يقوم بما صنع لم ينتبه إلى أنَّه قد وضع نفسه في مأزق؛ فالأزمات التي تسبب فيها المالكي داخل الوسط السياسي العراقي انعكست على موقف الكتل السياسية المختلفة من المشاركة في العملية السياسية في العراق، والمشاركة في العملية السياسية يعني المشاركة في أعمال الحكومة والبرلمان.

 

والوضع الآن في الحكومة والبرلمان مؤسف بحق، ويؤشر إلى المستقبل المظلم الذي تواجهه العراق على اعتبار ارتباط ملف العنف بالواقع السياسي للبلاد كما سبق القول، فكتلتا الصدر وجبهة التوافق علقتا المشاركة في الحكومة والجمعية الوطنية، ولكلٍّ أسبابه الخاصة لهذا التعليق، ولكن الإطار العام واحد وهو استهداف حكومة المالكي للتيارات السياسية التي لا تتماشى مع مشروعه السياسي الطائفي والمتوائم في ذات الوقت مع أجندة الاحتلال الأمريكي.

 

هذا الوضع يهدَّد الآن بانهيار الحكومة التي بدأت من الأساس بمخاضٍ عسيرٍ؛ حيث جرى الإعلان عن تشكيلها في شهر أبريل من العام 2006م في اللحظات الأخيرة قُبيل انتهاء المهلة الدستورية لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات التشريعية التي جرت هناك في منتصف 15 ديسمبر 2005م، وبعد التمديد لهذه المهلة بسبب الأزمة التي أثارتها بعض الأطراف السياسية العراقية بشأن شخصية رئيس الوزراء الانتقالي السابق الدكتور إبراهيم الجعفري مرشح حزب الدعوة الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في ذلك الحين.

 

وقد تمَّ اختيار المالكي- وهو شخصية دون الجدارة السياسية وله تاريخ ضعيف في العمل السياسي بخلاف القيادات السياسية العراقية الأخرى- كحلٍّ وسطٍ لعلاج أزمة التشكيلة الحكومية وبعد تدخلٍ أمريكي كالمعتاد.

 

وطيلة الأشهر الخمسة عشر التي قضاها المالكي في الحكم لم تتغيَّر الأوضاع بل ازدادت سوءًا، والمؤشرات على ذلك فاضحةٌ وليست واضحةً فحسب؛ فقتلى الحرب والعنف نتيجة وجود قوات الاحتلال والأعمال الانتقامية والطائفية يصلون إلى متوسط شهري بلغ الأربعة آلاف قتيل بحسب الأرقام الرسمية العراقية، أمَّا الأرقام غير الرسمية فتشير إلى وجود ما متوسطه 30 ألف قتيل شهريًّا، مع فشل كل الخطط السياسية والأمنية التي تضعها الولايات المتحدة وتنفذها حكومة المالكي.

 

 

كذلك زادت معدلات اللجوء العراقي في الداخل والخارج؛ فهناك مليونَا عراقي في دول الجوار، ومليونَان آخران في مناطق العراق الشمالية من العرب السنَّة ممَّن فروا إلى مناطق إقليم كردستان العراق الآمنة نسبيًّا فرارًا بحياتهم من أعمال القتل والتهديد التي تمارسها الميليشيات الشيعية الطائفية.

 

كذلك توقفت تقريبًا أعمال إعادة الإعمار والبناء في مختلف أنحاء العراق وبالذات في مناطق الوسط ذات الغالبية العربية السنية، ووجود اتجاه لفرض تعديلات على مشروع قانون النفط الجديد يغبن حقوق العرب السنة في البلاد، وحتى حلفاء المالكي في الائتلاف الحاكم بين الأكراد والشيعة من الحزبَيْن الكرديَيْن الأساسيَّيْن والتيار الصدري لم يقبلوا بالوضع الجديد لقطاع النفط؛ لأنَّ التعديلات الجديدة عليه وضعت أساسًا لتصب في صالح الشركات والاحتكارات النفطية الأجنبية، وبالذات الأمريكية.

 

وزاد من وطأة الأزمة ملفات الفساد التي تصاعدت رائحتها في الآونة الأخيرة سواءً في قطاع النفط؛ حيث تبلغ خسائر العراق اليومية 15 مليون دولار أي نحو خمسة مليارات من الدولارات شهريًّا بسبب أعمال التهريب التي تحرسها الميليشيات الطائفية في الجنوب والتي لم تبذل حكومة المالكي أي جهدٍ أمنيٍّ للقضاء عليها بعكس حماسة المالكي الشديدة لضرب فصائل المقاومة العربية المسلحة بحجة مكافحة الإرهاب؛ وذلك بالرغم من أنَّ الأمريكيين أنفسهم اعترفوا أنَّ العنف الطائفي وميليشيات الموت الشيعية التي اخترقت أعلى المستويات داخل مؤسسات الأمن والشرطة والجيش هو التهديد الأكبر للحالة السياسية والأمنية في العراق، وليس تنظيم القاعدة، وجاء هذا الاعتراف الأمريكي في عهد المالكي وليس قبله، بالرغم من أنَّ الاحتلال الأمريكي موجود في العراق قبل وصول المالكي للسلطة بثلاثة أعوام.

 

رئيس وزراء طائفي!!

وفي عامٍ واحدٍ استطاع المالكي بقيادته الطائفية للسياسة داخل العراق تحويل المخاطر الأمنية في البلاد إلى البند الطائفي، وهو أمرٌ مخيفٌ مقارنةً بما تفعله ما يُطلق عليه اسم "الجماعات الإرهابية"؛ لأنَّ تهديدات هذه الجماعات معروفة وموجهة للعديد من الأطراف داخل العراق، بمن فيهم العرب السنة غير المتحالفين مع القاعدة مثلاً من قادة العشائر في الأنبار ومناطق شمال العاصمة بغداد، وحتى الممارسات الطائفية لهذه الجماعات من المعروف أنَّها لا تمثل سياسةً ثابتةً أو الموقف الحقيقي للعرب السنَّة بخلاف ممارسات ميليشيات الموت الطائفية التي هي في الأصل مرتبطة رسميًّا بالأحزاب السياسية الشيعية الموجودة في العراق.

 

 الصورة غير متاحة

 عبد العزيز الحكيم

 ففيلق بدر تابع للمجلس الإسلامي الأعلى في العراق بزعامة عبد العزيز الحكيم، وكذلك ميليشيات جيش المهدي التابعة للتيار الصدري، بينما لا نظير لتلك الميليشيات لدى الأحزاب العربية السنيَّة، ولو وجدت أجنحة عسكرية لدى بعض هذه الأحزاب فإنَّ مجال عملها الرئيسي يكون في مواجهة الاحتلال الأمريكي وليس في ارتكاب أعمال العنف الطائفية، ويدلل على صدقية هذا الكلام أنَّ تنظيم القاعدة احتجَّ على أداء جماعات المقاومة المسلحة ودخل معها في اشتباكات مسلحة لرفضها نقل أنشطتها إلى الملعب الطائفي وضرب الشيعة، بينما يرى تنظيم القاعدة أنَّ تعاون الأحزاب الشيعية مع الاحتلال الأمريكي ودعمها للعملية السياسية التي نشأت في العراق بعد الاحتلال يوجب وضع المصالح الشيعية على قائمة الاستهداف.

 

كما أن ممارسات قوات الأمن الطائفية التي يقف خلفها بعض القيادات السياسية العراقية والتي غضَّت حكومة المالكي الطرف عنها لم تقتصر على حماية الفساد والمفسدين في قطاع النفط وغيره؛ بل امتدت إلى استهداف مبرمج لمناطق العرب السنة لتفريغها من سكانها، وبالذات في العاصمة بغداد؛ فمن الثابت وفق التقارير المحايدة أنَّ مجازر أحياء العامل والأعظمية وغيرها من الأحياء العربية السنية تمَّت إمَّا بحضور قوى الأمن التي تسيطر عليها العناصر الطائفية أو بدعمٍ مباشر من قوات الأمن هذه.

 

المالكي على جانبٍ آخر لا يضع أي اعتبار للهجمات الطائفية التي تقع على المساجد والهيئات السنية بخلاف إجراءاته الصارمة بحق الفريق الأمني الذي كان موجودًا لحماية مرقد الإمامَيْن العسكريَّيْن في سامراء قبل بضعة أسابيع، كما أنَّ المالكي نجح في حشد الدعم الرسمي المالي الأمريكي لإعادة بناء المرقد، بالرغم من عشرات المساجد السنية التي جرى تدميرها ومن بينها مساجد بعض الصحابة الكرام المدفونين في العاصمة بغداد وما حولها، ومن بينها مسجد الصحابي الجليل طلحة بن الزبير رضي الله عنه، ومسجد العشرة المبشرين، ومن بين هذه المساجد ما يعتبر تراثًا للإنسانية تفخر به العراق كلها، وليست حكرًا على طائفة بعينها.

 

 الصورة غير متاحة

محمود المشهداني

 المستوى الآخر الذي تتضح فيه طائفية المالكي المقيتة، وتعنته الكبير ضد العرب السنة ومكوناتهم ضمن الأطياف الحزبية داخل العراق هو الجانب السياسي؛ حيث لعب المالكي والائتلاف الذي يعبر عنه دورًا كبيرًا في تفعيل أزمتي رئيس البرلمان محمود المشهداني ووزير الثقافة أسعد الهاشمي، مع استغلال تعليق التوافق والصدريين لمشاركتهما في أعمال الحكومة؛ احتجاجًا على ممارساتها لتقديم طرح جديد لحكومة أسماها بـ"حكومة الوحدة الوطنية" تستبعد مختلف الأطراف التي تعارض سياساته، وبطبيعة الحال سيدفع العرب السنة ثمن ذلك من نسبة تمثيلهم في المناصب الكبيرة ومؤسسات الحكم في البلاد.

 

وبطبيعة الحال وفي ظل الفشل الذي طبع سياسات المالكي عبر الأشهر الخمسة عشر التي قضايا في رئاسة الحكومة العراقية؛ ستفشل خططه تلك تاركةً العراق في حالةٍ من الفراغ السياسي سيدفع العراقيون ثمنها من دمائهم!!