من الطبيعي أن يواجه أي جهاز أمني في العالم إخفاقات أو يعاني من تقصيرٍ في الأداء في مجالات معينة أو في فترات زمنية معينة، إلا أن جهاز الأمن البريطاني المسمى "سكوتلانديارد" لا يواجه الإخفاقات إلا فيما يتعلق بالمسلمين؛ الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول مدى نزاهة ذلك الجهاز ودرجة استعداده للتعامل مع المشكلات بنفس المعيار مهما اختلفت طبيعة انتماء أو هوية الضحية في الحوادث الأمنية التي يحقق فيها.
وحتى لا يكون ذلك الحديث مجرَّد إطلاقٍ للاتهامات دون دليلٍ فإن تتبع بعض أبرز الحوادث الأمنية التي وقعت في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة يقدم البرهانَ على أن جهاز الأمن البريطاني لا يُفكِّر في التحرك طالما كانت الجريمة في حق المسلمين، ويمكن رصد بعض الحوادث التي تأتي في هذا السياق، وهي الحوادث التي تنقسم إلى نوعين الأولى تتعلق بجرائم "الاغتيالات الغامضة" التي تتعرض لها بعض الشخصيات العربية، والثاني هو ذلك المتعلق بالانتهاكات التي تُمارَس ضد المسلمين على يد العنصريين البريطانيين بخاصة في ظل الحوادث الأمنية الأخيرة التي وقعت في العاصمة البريطانية لندن ومدينة جلاسجو الاسكتلندية خلال الأيام الماضية.
وفاة سببها الانتحار أو الدوار!!
تعددت حوادث "الوفاة الغامضة" التي تعرضت لها بعض الشخصيات المصرية والعربية في العاصمة البريطانية لندن، والتي دارت كلها حول السقوط من مكانٍ مرتفع؛ مما يؤدي إلى الوفاة المباشرة، واللافت في هذا الإطار هو أن السلطات البريطانية تصنف الحادثة مباشرةً على أنها "انتحار" على الرغم من عدم مرور الوقت الكافي للحكم على ذلك؛ مما يعني عدم القيام بالتحريات اللازمة حول ملابسات الجريمة، وهو الأمر الذي كان سيختلف تمامًا لو كان الشخص القتيل صهيونيًّا أو من أية جنسية أوروبية.
![]() |
|
أشرف مروان |
وكان آخر حوادث الوفاة الغامضة مصرع أشرف مروان رجل الأعمال المصري المقيم في بريطانيا والمستشار السياسي للرئيس الراحل أنور السادات بعد أن سقط من شرفة منزله في منطقة سانت جيمس بارك العاصمة البريطانية لندن يوم 28/6/2007م، وهو الحادث الذي سارعت السلطات البريطانية إلى القول بأنه جاء نتيجة انتحار أشرف مروان قبل أن تعود المصادر الأمنية وتقول إن الحادث تم تصنيفه باعتباره "وفاة غامضة"، إلا أن ذلك التصنيف سرعان ما تم التراجع عنه بعد أيامٍ قليلةٍ من "التحقيقات"؛ حيث قال المسئولون الأمنيون البريطانيون إن مروان سقط من شرفة منزله بسبب شعوره بالدوار ولم ينتحر أو يتم اغتياله، وهو ما يعني إغلاق الملف تمامًا.
كان من الممكن أن يتم تقبل وفاة مروان على أنها "وفاة عادية" على الرغم من الجدل الذي أحاط بشخصية أشرف مروان كعميلٍ مزدوجٍ بين المخابرات المصرية والصهيونية، إلا أن ما منع من قبول فكرة أن الوفاة عادية هو تكرار ملابساتها حرفيًّا مع ظروف وفاة شخصيات مصرية أخرى في العاصمة لندن، فكيف ذلك..؟!!
جاءت وفاة أشرف مروان سقوطًا من شرفة منزله بعد أيامٍ قليلة من إعلانه أنه سوف يكتب مذكراته، وهي نفس الملابسات التي شهدتها وفاة الفنانة المصرية سعاد حسني حيث سقطت من شرفة الطابق السادس من المنزل الذي كانت تُقيم فيه بلندن يوم 21/6/2001م بعد أيامٍ قلائل من إعلانها أنها سوف تكتب مذكراتها.
كذلك تتشابه ظروف وفاة الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري في عهد الرئيس الراحل أنور السادات؛ حيث تُوفي بعدما عثر الأمن البريطاني على جثته أسفل بناية ستيوارت تاور التي كان يُقيم في طابقها العاشر في لندن في 24/8/1973م؛ حيث قال رجل أمن لزوجته إن ناصف لقي مصرعه بعد سقوطه من مكانٍ مرتفعٍ إثر دوار أصابه، وكانت أقوال رجل الأمن بعد الوفاة بعدة ساعات فقط، فكيف أدرك الأمن البريطاني أن ناصف قد أُصيب بدوار دون أن يتم توقيع الكشف الطبي على الراحل؟!
كل هذه الحوادث توضح وجود نوعٍ معين من التواطؤ من جانب جهاز الأمن البريطاني "العريق" الذي يتم تدريس أساليب التحقيق التي يتبعها في الأجهزة الأمنية للعديد من دول العالم؛ لأن الوضع في جهاز سكوتلانديارد كان سيختلف تمامًا لو كان القتيل بريطاني الجنسية أو جاءت وفاته لتحمل ملابسات تتعلق بالأمن القومي البريطاني مثلما حدث في قضية وفاة الجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو الذي توفي مسمومًا في نوفمبر الماضي بعد أن عمل جاسوسًا لصالح البريطانيين.
فقد اضطر جون ريد وزير الداخلية آنذاك إلى الحديث أمام مجلس العموم البريطاني لتوضيح ملابسات الحادث، كما أشار إلى أن بلاده طلبت من روسيا التعاون في التحقيق حول وفاة ليتفينينكو!!!
تحيز واضح
وبنظرةٍ على كيفية تعامل جهاز سكوتلانديارد البريطاني مع المسلمين وغير المسلمين عقب أية مرة تواجه فيها بريطانيا تهديدات أمنية يمكن بكل سهولةٍ التعرف على معايير العنصرية- غير المكتوبة- التي يطبقها هذا الجهاز الأمني ضد المسلمين، وتأتي الحادثة الشهيرة المعروفة بـ"حادثة فوريست جيت" دليلاً على التحيز المسبق للأمن البريطاني ضد المسلمين، فما الذي جرى في هذه الحادثة..؟؟!
![]() |
|
المسلمون في بريطانيا يتعرضون للتمييز |
في مطلع يونيو من العام 2006م تعرَّض منزل الأخوين محمد وعبد القوي عبد القهار في منطقة فوريست جيت شرق العاصمة البريطانية لندن لمداهمة من القوات الأمنية البريطانية بدعوى وجود قنبلة كيمائية في المنزل، وقد تعرَّض الأخوان إلى إطلاق نارٍ خلال الحادثة أسفر عن إصابة محمد عبد القهار ثم تمَّ اعتقالهما بعد ذلك قبل أن يتم الإفراج عنهما بعد أسبوعٍ من الاعتقال.
وفي ردِّ الفعل، قال آندي هايمان مساعد رئيس شرطة العاصمة البريطانية المعروفة باسم الـ(متروبوليتان): إن الشرطة البريطانية "تعتذر عن الألم" الذي سببته تلك المداهمة، بينما قال جون ريد وزير الداخلية وقتها إن الشرطة تصرفت "وفق مصالح المجتمع"، ومن جانبه قال عبد القهار إنه ظنَّ أن المداهمة هي اعتداءٌ من جانب لصوص مسلحين!!
كانت هذه ردود الأفعال الخاصة بالغارة، وهي اعتذار مقرون بإصرار على صحة الإجراء إلا أن الوضع كان مختلفًا في حادثة مقتل الشاب البرازيلي جان شارلز مينيسيز على يد الشرطة البريطانية في يوليو من العام 2005م في إطار مطاردات ما بعد تفجيرات 7 يوليو من نفس العام؛ حيث قامت الشرطة البريطانية بمطاردة القتيل ظنًّا منها أنه من المتورطين في التفجيرات إلا أنه فرَّ لأنه كان مهاجرًا غير شرعي فأطلقوا عليه النيران فسقط قتيلاً، فكيف علَّقت الحكومة البريطانية على ذلك؟؟!
قال رئيس الشرطة البريطانية السير إيان بلير إن الشرطة تقبل بتحمل "كامل المسئولية عمَّا حدث"، وهو التصريح الخطير الذي يرتب على السلطات البريطانية الكثير من المسئوليات، لكنه لم يصدر في حالة الأخوين المسلمَيْن وإنما صدر فقط في حالة الضحية البرازيلية، كما أعرب توني بلير الذي كان رئيسًا للحكومة البريطانية وقتها عن أسفه لما جرى.
حوادث الكراهية
![]() |
|
آثار الهجوم على مكتب للعقارات في منطقة باثجيت في جلاسجو |
وفي الفترة التي تلت الأحداث الأمنية التي وقعت مؤخرًا في العاصمة البريطانية لندن ومدينة جلاسجو في اسكلتندا، تعرَّض المسلمون في جلاسجو إلى العديد من الإساءات، ومن بينها إحراق بعض المحال التجارية المملوكة لمسلمين إلى جانب تحيز الكثير من الأقلام في الصحف البريطانية، وهو الأمر الذي وصل إلى حدِّ وصف دينيس ماكشين الوزير في الاتحاد الأوروبي بين عامي 2002م و2005م- في مقالٍ له بجريدة (ديلي تليجراف) البريطانية في عددها الصادر 3 يوليو الحالي- الشريعة الإسلامية بأنها ضد حقوق الإنسان، وقد وقفت أجهزة الشرطة البريطانية ساكنةً أمام كل تلك التجاوزات والانتهاكات في حقوق المسلمين.
كل هذه الوقائع تدفع إلى التساؤل: لماذا يُصاب جهاز الأمن البريطاني بالصمم ويعاني القصور ويرتكب الأخطاء في عمله عندما يتصدى إلى واحدةٍ من القضايا التي يكون المسلمون هم الضحية فيها، على عكس الوضع عندما يكون الحادث متعلقًا بالبريطانيين أو الصهاينة وغيرهم من "الحلفاء"؟!


