في ظل غياب أية إمكانية للتفاهم بين فريقي السلطة والمعارضة على القضايا الأساسية للخلاف السياسي القائم في لبنان التي تتمحور حول حكومة الوحدة الوطنية وصفات ومواصفات الرئيس الجديد للجمهورية، تبرز إلى السطح المبادرة الفرنسية للحوار بين القوى اللبنانية المختلفة التي ستجري في قصر "سيل سان كلو" في باريس في الفترة الممتدة من 14 إلى 16 يوليو الجاري.

 

وقبل انطلاق هذا الحوار، ومنذ مبادرة الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي إلى الدعوة لحوار "سان كلو" عبر وزير خارجيته برنار كوشنير الذي تولَّى مهمة توفير الأرضية السياسية اللازمة لنجاح هذه الدعوة في لبنان، وفي الدول الإقليمية والدولية المعنية مباشرة بالأزمة القائمة بين فريق السلطة والمعارضة، ارتفعت الأصوات السياسية المتعددة المقللة من أهمية هذا اللقاء الفرنسي الحواري بناءً على نقطتين: الأولى متعلقة بمستوى تمثيل القوى السياسية اللبنانية المشاركة في مؤتمر سان كلو الذي اقتصر على قيادات الصف الثاني، حيث امتنعت قيادات الصف الأول عن المشاركة لأسباب مختلفة.

 

أما النقطة الثانية فتتعلق بالرغبة الفرنسية المعلنة من أهداف الحوار التي جرى اختصارها بعنوان "كسر الجليد" بين القوى اللبنانية الفاعلة.

 

في ظل هذه المعطيات هل يمكن اعتبار حوار "قصر سان كلو" في العاصمة الفرنسية باريس مجرد "سياحة سياسية" لقيادات الصف الثاني في فريقي السلطة والمعارضة؟ وهل تقبل فرنسا التي تعتبر دورها رئيسيًّا في لبنان تحديدًا وفي المنطقة عمومًا أن لا تكون المبادرة الفرنسية الأولى لنيكولا ساركوزي تجاه الأزمة اللبنانية أكثر من إطلالة شكلية لا تقدم ولا تؤخر في مجريات الوضع اللبناني المتأزم سياسيًّا وأمنيًّا؟ هذه الأسئلة وغيرها تضعنا أمام السؤال الجوهري التالي: ما هي الخلفيات السياسية لحوار "قصر سان كلو"، وهل هناك إمكانية للوصول إلى تفاهمات سياسية أو نتائج معينة من هذا اللقاء؟

 

الخلفيات السياسية

تتحدث المصادر الفرنسية الرفيعة المستوى في العاصمة الفرنسية باريس عن أن "الحوار اللبناني في باريس سيكون في الاستحقاقات العاجلة ولن يكون حوارًا أكاديميًّا، ومهمة اللبنانيين المتحاورين في قصر سان كلو ستكون إنقاذ لبنان من فوضى مزدوجة تسببها أزمة سياسية قائمة، وأزمة مؤسسية قادمة، إذا لم ينجح المدعوون باجتراح الحل".

 

 الصورة غير متاحة

 وزير الخارجية الفرنسية يستقبل الوفود اللبنانية

وهذا يعني أن الإدارة الفرنسية الجديدة تريد لعب دور جدي ومباشر في معالجة الخلاف السياسي القائم في لبنان بين السلطة والمعارضة على حكومة الوحدة الوطنية والاستحقاق الرئاسي المقبل، وإذا كانت المصادر الفرنسية المختلفة تصر وتؤكد على أن فرنسا لا تريد أكثر من "كسر الجليد" بين القوى السياسية اللبنانية المختلفة من أجل العودة للحوار بين القيادات اللبنانية المختلفة، فإن إصرارها على مقاربة الموضوع الحكومي والاستحقاق الرئاسي يعني أنها تملك تصورًا ما لتسوية الوضع القائم في لبنان سوف يعمل وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير على تظهيره في لقاءات "سان كلو" الحوارية.

 

وتتحدث مصادر سياسية مختلفة عن ضمانات سياسية معينة حرصت فرنسا على الحصول عليها من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وإيران من أجل كسر حدة الخلاف القائم بين السلطة والمعارضة، وأن الجهود الفرنسية تجاه لبنان لا تتعارض مع جهود الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى، بل تتكامل معها، ولاسيما في إطار الجهد العربي تجاه سوريا التي تملك الكثير من أوراق الحل في لبنان.

 

وقد يشكل الجهد الفرنسي- العربي مخرجًا سياسيًّا مشرفًا لسوريا والأوروبيين والأمريكيين من أجل التفاهم على الرئيس اللبناني المقبل وعلى كل القضايا التي تهم سوريا والمجموعة الدولية.

 

النتائج المتوقعة للقاء

تتريث المصادر الفرنسية أولاً، ومصادر قوى السلطة والمعارضة ثانيًا، في إعطاء جواب عن أية نتائج سريعة متوقعة من لقاء "سان كلو" الحواري، من مثل وقف الحملات الإعلامية بين السلطة والمعارضة في وسائل الإعلام المختلفة، أو فك مخيم المعارضة في ساحة رياض الصلح، أو انتقال الخطاب السياسي إلى مرحلة أكثر هدوءًا بين أركان فريقي السلطة والمعارضة.

 

لكن كل ذلك لا ينفي احتمال التوصل إلى تفاهمات سياسية معينة دون الإعلان عنها بصورة صريحة ومباشرة اعتمادًا على سياسة "خلف الكواليس"؛ حيث يشعر اللبنانيون لاحقاً بنتائج مؤتمر "سان كلو" دون أن يتم الإعلان عن ذلك رسميًّا في ختام المؤتمر.

 

 

برنار كوشنير يستقبل ممثل حزب الله

ويؤكد هذا التوجه الانفتاح الفرنسي تجاه إيران والمشاورات المطولة التي أجريت بين وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير ووزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي واستعداد الإدارة الفرنسية الجديدة لتحمل الانتقادات الصهيونية واليهودية الفرنسية لدعوة ممثلي حزب الله واستقبالهم مع باقي المشاركين في الحوار في قصر الإليزيه من قبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، دون أن ننسى التنسيق الفرنسي- السعودي- الإيراني المتواصل من أجل الوصول إلى نتائج سياسية معينة للقاء "سان كلو" الحواري، ما يعني أنَّ القول مسبقًا إنه لن تكون هناك نتائج سياسية لهذا الحوار غير صحيح إطلاقًا من مختلف المعايير السياسية والدبلوماسية.

 

حوار "قصر سان كلو" يمثل بارقة أمل للبنانيين الذين تعبوا من الخلاف المستفحل بين السلطة والمعارضة، فهل يمثل لقاء "سان كلو" خطوة على طريق الحل؟.

--------------------

* ينشر بالاتفاق مع مجلة (أمان) اللبنانية