بعد ما يزيد على نصف قرن من الزمان تعود فرنسا إلى منطقة الشرق الأوسط، من خلال تحالفٍ ثلاثيٍّ جديد، والهدف هذه المرة ليس مصر ولكنه السودان على خلفية أزمة إقليم دارفور؛ حيث بدأ الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي في رسْم إجراءات تأسيس تحالف جديد مع كلٍّ من الولايات المتحدة وبريطانيا لرسم سياسة جديدة للغرب فيما يتصل بأزمة إقليم دارفور.

 

ومع السياسات الجديدة الإيجابية التي تتبنَّاها الحكومة السودانية تجاه الأزمة وعدم اعتراف الغرب بأيِّ تقدمٍ يتمَّ إحرازه فيها طالما أنه جاء عن طريق الخرطوم؛ فإنه بات من الواضح وجود أجندة أهداف وسياسات غربية مرسومة مسبقًا تستهدف استغلال الأزمة في الإقليم لتحقيق مجموعةٍ من الغايات المتعلقة بالمشروع الغربي الصهيوني في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء، وما بين السياسات والمواقف وأجندة الأهداف السودانية والغربية ضمن هذا التحالف الثلاثي بونٌ شاسعٌ في أدواته وقناعاته.

 

الخرطوم

حاولت الخرطوم في الفترة القصيرة الماضية استيعاب الضغوط الأمريكية والغربية فيما يخص دارفور دون الإخلال في الوقت ذاته بالثوابت والمصالح السودانية المتعلقة باعتبارات الأمن القومي السوداني؛ لا سيما فيما يخص ملفَّي وحدة أراضي السودان، ومنع النفوذ الأجنبي السياسي والتنصيري والعسكري من بسط سيطرته على مناطق جديدة من السودان بعد ورطةِ القوات الدولية المرابطة في المناطق الفاصلة بين السودان وإقليم الجنوب بموجب اتفاق نيفاشا.

 الصورة غير متاحة

عمر البشير

 

عمد الرئيس السوداني عمر البشير في الفترة الأخيرة إلى التحرُّك على ثلاثة مستويات:

الأول المستوى الداخلي فيما يخص الأزمة، فقام بزيارةٍ إلى دارفور افتتح خلالها مجموعةً من المشروعات التنموية في مجالَيْ المياه والنقل، مع عقد جلسة خاصة للحكومة السودانية في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور والمدينة الرئيسية في الإقليم لبحث احتياجاته التنموية والمحلية.

 

المستوى الثاني الذي تحرَّكت فيه الخرطوم كان هو المستوى الإقليمي؛ حيث نجح البشير- عبر مجموعة من المؤتمرات واللقاءات التي جرت في مصر والسعودية وليبيا- في استقطاب مجموعات من الفصائل المتمردة التي لم توقِّع على اتفاق أبوجا للسلام في دارفور، الذي تمَّ توقيعه في شهر مايو من العام الماضي 2006م، وحمَل هذه المجموعات على الاندماج في عملية السلام في الإقليم.

 

وكان من نتاج تلك التحركات نتيجتان: الأولى التوقيع على اتفاق المصالحة مع تشاد وجذب إنجامينا إلى دائرة محاولات التوفيق ما بين الخرطوم وفصائل التمرُّد في الإقليم، أو على الأقل الامتناع عن تقديم الدعم اللوجستي والسياسي للمتمردين المرابطين داخل الجانب التشادي من الحدود بين البلدَيْن، والنتيجة الثانية التي حققتها الخرطوم من وراء هذه التحركات كانت حمْل فصيل الفور من حركة تحرير السودان- والذي يتزعمه عبد الواحد محمد نور- على التوقيع على اتفاق مبدئي للتسوية في دارفور، مع بَدء الخرطوم في محاولات حفز باقي فصائل التمرُّد في الإقليم على الاندماج في هذه العملية.

 

المستوى الثالث من التَّحرُّكات السودانية كان على الصعيد الدولي؛ حيث وافقت الخرطوم على الخطة الثلاثية التي قدمها الأمين العام الجديد للأمم المتحدة بان كي مون لنشر قوات حفظ سلامٍ مشتركة بين المنظمة الدولية والاتحاد الإفريقي، على أنْ تشمل المرحلة الثالثة من خطة الأمين العام للأمم المتحدة نشْرَ قوة مؤلفة من 19555 عسكريًّا، إضافةً إلى فريق مدنيٍّ يضم 3772 شرطيًّا و19 وحدةً لتدريب الشرطة بإجمالي 26 ألف جندي وشرطي، مع اشتراط الخرطوم أنْ تكون قيادةُ هذه القوات إفريقيةً.

 

وكان الجهد السوداني الرسمي والشعبي ناجحًا، لدرجة أنَّ مون أشاد بما وصفه بـ"النتيجة البنَّاءة" للمحادثات التي جرت في العاصمة الليبية طرابلس بين فرقاء دارفور والخرطوم، قائلاً إنَّها أعطت قوةً قانونيةً للخطة الأممية- الإفريقية لجمع هذه الأطراف في مدينة أروشا التنزانية في الفترة ما بين الثالث والخامس من شهر أغسطس القادم؛ تمهيدًا لمفاوضاتٍ شاملةٍ للتسوية في دارفور في وقت لاحق من ذات الشهر.

 

نوايا سيئة!!

على الجانب الآخر لم يلتفت التحالف الغربي الجديد لمختلف الإجراءات التي تبنَّتها الخرطوم لحلحلة الوضع في دارفور وعلاجه، انطلاقًا من فهم الحكومة السودانية لحقائق الوضع على الأرض في الإقليم المشتعل، وزادت الضغوط الغربية على السودان بدخول فرنسا على خط السياسات الأمريكية والبريطانية إزاء أزمة الإقليم.

 الصورة غير متاحة

مظاهرات في الخرطوم رافضة لنشر قوات تابعة للأمم المتحدة بدارفور

 

فبينما انتقلت واشنطن إلى مستوى أعلى من العقوبات على السودان، وبدأت في رسم خطوط مشروع قرار جديد ضد السودان في مجلس الأمن الدولي لفرض مسألة نشر القوات الدولية في دارفور على أن تعمل بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يخوِّلها استخدام القوة خلال فترة عملها في الإقليم.. نجد أنَّ فرنسا- ساركوزي بدأت في انتهاج سياسة جديدة إزاء الأزمة في دارفور تختلف كثيرًا عن سياسات سلفه جاك شيراك، الذي حاول كثيرًا الاستقلال بالقرار الفرنسي عن القرار الأمريكي.

 

فساركوزي الطامح إلى استرجاع مناطق نفوذ فرنسا في المناطق التي طردتها واشنطن منها في إفريقيا والشرق الأوسط بدلاً من أنْ يسعى إلى رسم سياسة جديدة تختلف عن السياسة الأمريكية في الشأن السوداني تماهَى واندمَج مع السياسات الأمريكية والبريطانية؛ فالتقى مع رئيس الوزراء البريطاني الجديد جوردون براون، وأعلن تأييد فرنسا مشروعَ القرار الأمريكي- البريطاني الجديد في مجلس الأمن، الذي يهدف إلى تسريع عملية نشر القوة الدولية في دارفور رغم موافقة الخرطوم على ذلك!! فساركوزي بدا وكأنه يرغب في إعطاء سياسة الخارجية لفرنسا صورةَ من يتبنَّى المواقف القوية المتشددة، محاولاً تقليد رعاة البقر الأمريكيين، إلا أنَّ النتيجة كانت تبعيةً كاملةً للقرار الأمريكي.

 

وهو ما حدا بالرئيس السوداني عمر البشير إلى اتهام نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي باتباع الخط الأمريكي والابتعاد عن السياسة التي كان ينتهجها سلفه جاك شيراك، وذلك في إشارةٍ إلى المؤتمر الدولي حول دارفور الذي استضافته باريس يوم 25 يونيو الماضي.

 

والحقيقة أنَّ بوادر فشل السياسة الفرنسية الراجع إلى ضعف خبرة الرئيس الفرنسي الجديد بالشأن الخارجي والعالمي (هو في الأصل كان وزيرًا للداخلية لا يعرف شيئًا سوى مطاردة المهاجرين) لم تبدُ فحسب في هذا الخطأ الإستراتيجي الكبير، بل امتدت إلى جولته الأولى في الشرق الأوسط؛ حيث بدأ بجولةٍ طموحةٍ شملت دولَ حوض البحر المتوسط العربية في شمال إفريقيا والمشرق العربي للترويج للمشروع اليورو متوسطي الجديد الذي يحاول إحياءه، فما كان من المغرب إلا أنْ رفضت استقبال ساركوزي بحجة الدواعي الأمنية، فيما تمَّ اختصار زيارته للجزائر بسبب أخطاءٍ منه.

 

ففي الحالة المغربية فإن ساركوزي ارتكب خطأً بروتوكوليًّا كبيرًا؛ بالإعلان منذ البداية أنَّ زيارته ستكون قصيرةً وفي نقطة حدودية مع الجزائر لاعتبارات "ضيق وقت الرئيس الفرنسي"، وهو ما اعتبره المغاربة إهانةً دبلوماسيةً لهم، فطلبوا إلغاء الزيارة، وفي الجزائر رفض ساركوزي الاعتذار عن جرائم بلاده في فترة استعمارها للجزائر، وتحدث بلغةٍ غليظةٍ تتناسب مع رجل أمنٍ فاشلٍ وليس مع رئيس دولة كبرى كفرنسا، ممَّا دعا الجزائريين إلى اختصار زيارته!!

 

ويبدو أنَّ ساركوزي أراد أنْ يعوِّض فشله في شمال إفريقيا ببعض المواقف المتشددة الخاطئة في السودان؛ فقال في مؤتمرٍ صحفيٍّ عقده في باريس قبل أيام مع رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون: إنَّهما يعملان على استصدار قرار من الأمم المتحدة بـ"أسرع وقتٍ ممكنٍ" لنشر القوة الأممية الإفريقية المختلطة في إقليم دارفور، وهو موقف غريب؛ لأنَّ السودان وافق على نشر القوة، وإضافة فقرة "بأسرعِ وقتٍ ممكنٍ" هذه لا يمكن تفسيرها إلا بأنَّها مجرد محاولة صبيانية لمضايقة حكومة الخرطوم.

 

والمؤسف بالنسبة لدولتَيْن كبريَيْن مثل بريطانيا وفرنسا أنْ تأخذا هذا الموقف (تسريع نشر القوات) بعد تصريح من الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في ولاية تينيسي قال فيه إن عملية نشر القوة المختلطة في دارفور "بطيئة ومملة"!!

 

تنموية أم سياسية؟!

وفي هذا السياق السابق فقد وضحت حقيقة الكيفية التي تتم بها صياغة السياسات الغربية فيما يخص قضايا الأمن القومي العربي- وملف دارفور في القلب منها- فالأمريكيون ومن خلفهم الفرنسيون والبريطانيون يسعون بأي شكلٍ إلى تسييس الأزمة في دارفور، بينما هي في الأصل مشكلةٌ تنمويةٌ واقتصاديةٌ في الأساس تتعلَّق ببعض المناحي الخاصة بالخدمات في الإقليم، مثل:

- الطرق والنقل والمواصلات.

- موارد المياه.

- الأراضي الزراعية.

- خدمات البنية التحتية.

 الصورة غير متاحة

تفاقم الأزمة في دارفور شَرَّدَ مئات الآلاف

 

يجانب مشكلات البيئة والتصحُّر الناتجة عن ضعف موارد المياه؛ حيث قال تقرير أعده برنامج الأمم المتحدة البيئي إنَّ الصراع في دارفور نتج بالأساس عن ظاهرة التغير المناخي والتدهور البيئي، وقال التقرير إنَّ هذه الظاهرة ستمتد إلى مناطق أخرى في إفريقيا؛ مما قد يؤدي لمزيدٍ من الحروب.

 

وقال التقرير إنَّ "السبب الحقيقي لاندلاع الصراع في دارفور يرجع إلى ندرة سقوط الأمطار، وزحْف التصحُّر في المنطقة"، وجاء فيه "أنَّه مع تراجع سقوط الأمطار بنسبة 30% خلال 40 سنة، وتقدُّم التصحُّر بأكثر من ميل سنويًّا، فإنَّ التوترات الناشئة بين المزارعين والرعاة حول المساحات الخضراء وجيوب المياه المتبخرة تهدِّد أيضًا بإعادة اشتعال فتيل الحرب التي دامت نصف قرن بين الشمال والجنوب في السودان، والتي انتهت عبر اتفاق سلام ضعيف".

 

ولكنها مشكلات تحتاج إلى تمويلٍ كبيرٍ لعلاجها، وهو ما أدركتْه الخرطوم مؤخرًا وبدأت في محاولة علاجه، بينما الغرب يفرض المزيد من العقوبات على السودان، التي لن يتضرَّر منها سوى سكان الإقليم وفقراء السودان، ثم يتحدثون في واشنطن وباريس ولندن عن مشكلة لاجئي ومدنيِّي دارفور وجوانبها الإنسانية!!