اختفى المؤتمر الذي دعت له الحكومة الانتقالية في الصومال تحت مسمَّى مؤتمر المصالحة الوطنية من على خريطة التطورات السياسية والأمنية في الصومال، على الرغم من أنه كان قد بدأ يوم الخميس 19/7/2007م، بعدما كان قد تم افتتاحه يوم الأحد 15/7 في العاصمة مقديشو، ثم تأجَّل بسبب قيام المقاومة بعدة عمليات في محيط مقر انعقاده؛ تنفيذًا للتعهدات التي كانت قد أطلقتها بالعمل على عرقلة انعقاد المؤتمر.

 

وتقف العديد من العوامل السياسية والأمنية وراء "الاختفاء الغامض" لهذا المؤتمر، وهي العوامل التي تتشابك فيها الاعتبارات الداخلية والخارجية بصورةٍ معقدةٍ، تجعل من الوضع الصومالي نموذجًا للصراعات الإقليمية وارتباطها بأي تغيُّر ولو كان طفيفًا في السياسة الدولية.

 

ومن أجل التعرف على الأسباب التي أدت إلى فشل المؤتمر ورحيله نهائيًّا من قائمة الخيارات السياسية الصومالية، فإنه يجب التعرف على الدوافع التي قادت إلى عرضه، إلى جانب طبيعة القوى المؤيدة والرافضة لانعقاده.

 

شرعية الاحتلال!!

 الصورة غير متاحة

 أفراد من قوات الاحتلال الإثيوبي بمقديشو

جاء المؤتمر بدعوةٍ من الحكومة الانتقالية في الصومال؛ بدعوى تحقيق "المصالحة الوطنية" في البلاد، فَسَعَت إلى حشد تأييد القوى الداخلية للمؤتمر، إلى جانب الحصول على الدعم الدولي لذلك المؤتمر؛ من أجل هدف واحد، وهو حماية وجود الحكومة الانتقالية، التي تلقَى الدعم من الغرب- وبخاصة الولايات المتحدة- من المقاومة الصومالية التي لا تقتصر فقط على الحركات المسلَّحة، ولكنها تصل أيضًا العشائر الصومالية التي ترفع السلاح ضد قوات الاحتلال، إلى جانب منْحِ الشرعية للاحتلال الإثيوبي، الذي يمثِّل المرتكز الوحيد الذي تعتمد عليه الحكومة الانتقالية حاليًّا في مواجهة الشعب الصومالي.

 

ومن أجل ذلك حشدت الحكومة الانتقالية الكثيرَ من القوى السياسية والاجتماعية والمسلَّحة المرتبطة بمصالح الحكومة، وكل ذلك ليتمكَّن قادةُ الحكومة الانتقالية من الزعم بأن هناك تأييدًا قويًّا لهم في الشارع الصومالي؛ مما يعني الزعم بأن المقاومة لا تعبِّر عن رأي الشعب الصومالي، وبنظرة واحدة إلى طبيعة القُوى التي تمَّت دعوتها لحضور المؤتمر تؤكد سوءَ نوايا الحكومة الانتقالية ورغبتَها فقط في تكريس الوضع الراهن، فالقُوى التي تمت دعوتها عبارة عن عدد من أمراء الحرب وكبار رجال العشائر التي ينتمي إليها هؤلاء الأمراء، وكذلك العشائر التي ينتمي إليها قيادات الحكومة الانتقالية، وأغلبهم من أمراء الحرب السابقين أو الحاليين على حدٍّ سواء، إلى جانب بعض علماء الدين الصوماليين، في محاولةٍ لإضفاء الحيادية على المؤتمر.

 

وفي المقابل لم يوجِّه القائمون على المؤتمر الدعوةَ إلى اتحاد المحاكم الإسلامية والعشائر التي تدعمها، واقتصرت فقط عملية توجيه الدعوات على بعض الشخصيات داخل المحاكم؛ بحيث يحضرون بصفتهم الشخصية لا كممثلين عن المحاكم الإسلامية، وهو ما برَّره المسئولون في الحكومة الانتقالية بأن الدعوة تم توجيهها إلى مَن سمَّوها "الأطراف المعتدلة" في المحاكم، في تكرارٍ لنغمة "الحامي الأمريكي" الرامية إلى تقسيم الشعوب العربية والإسلامية إلى "معتدل" يجب دعمه و"متطرف" تجب محاربته.

 

إذن الهدف هو حماية موقف الحكومة الانتقالية في الصومال، وتبرير وجود قوات الاحتلال الإثيوبي التي دخلت البلاد في ديسمبر الماضي، بالإضافة إلى تحقيق أهداف الحليف الأمريكي بالقضاء على كل قُوى المقاومة الإسلامية في العالم.

 

إقصاء المحاكم

هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء فشل المؤتمر و"اختفائه" بتلك الصورة المثيرة للانتباه، وهي الأسباب التي تتراوح بين الداخلي والخارجي، وبين الميداني والسياسي، وفي مقدمتها إقصاء اتحاد المحاكم الإسلامية- رغم ثقلها السياسي والاجتماعي الكبير في الصومال- مما يجعل العملية تؤكد أن المؤتمر كان يستهدف تحقيق مصالح فئات سياسية واجتماعية معينة لا تتفق في مصالحها مع المحاكم، وفي مقدمتها أمراء الحرب والإثيوبيون.

 الصورة غير متاحة

جانب من مظاهرة تأييد المحاكم الإسلامية بالصومال (أرشيف)

 

فأمراء الحرب خسروا مكانتهم في الصومال على يد المحاكم الإسلامية، التي طردتهم من العاصمة مقديشو، وأنهت وجودهم في مدينة جوهر، التي كانوا يتخذونها مقرًّا لهم، إلا أنهم استعادوا سطوتهم في المجتمع الصومالي بعد دخول الاحتلال الإثيوبي، أما الإثيوبيون فإن لهم أجندةً متعارضةً تمامًا مع المحاكم؛ حيث يريدون تحقيق أطماعهم في الحصول على أراضٍ صوماليةٍ تمكِّنهم من الوصول للبحر بعدما خسروا سواحلهم إثر استقلال إريتريا، وبالتالي اتفقت مصالح الاحتلال وأمراء الحرب في إبعاد المحاكم عن ذلك المؤتمر، فكان هذا الأمر هو سبب فشله.

 

إن السبب الرئيسي هو أن المحاكم تتمتع بشعبية واسعة في أوساط الشعب الصومالي؛ لأنها تتبع الفكر الإسلامي الوسطي المناسب تمامًا للطبيعة المتدينة غير المتشددة للصوماليين، وقد وضح تأييد الصوماليين للمحاكم في موقفين: الأول هو الترحيب الذي كانت تلقاه المحاكم في المناطق التي تدخلها أثناء سيطرتها على المناطق الوسطى والجنوبية خلال الصيف الماضي، بالإضافة إلى تقديم العشائر الصومالية- وبخاصة عشيرة الهوية- الدعمَ للمحاكم الإسلامية في المواجهات التي جرت بين المقاومة والاحتلال خلال شهرَي مارس وأبريل الماضيين.

 

ومن كل ذلك يظهر أن إقصاءَ قوة كالمحاكم الإسلامية من مؤتمر عنوانه الرئيسي تحقيق المصالحة في الصومال أصابَ المؤتمر بضعف شديد، وأفقده مصداقيته؛ لأن المحاكم هي القوة الكبرى في الصومال على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والعسكرية، وهو الأمر الذي أكدته العديد من القوى الدولية، من خلال مقارنة الوضع أيام سيطرة المحاكم على البلاد، والوضع في الوقت الراهن، ومن بينها تقرير لمؤسسة تشاتام هاوس البريطاني، الذي وصف فترة سيطرة المحاكم بأنها "العصر الذهبي للصومال".

 

وجود الاحتلال

عنصر آخر أضعف مؤتمر المصالحة، وهو وجود الاحتلال الإثيوبي في البلاد، فالمؤتمر يُعقد تحت مظلة من قوات الاحتلال، ويحاول في النهاية إضفاء الشرعية على وجودها، وبالتالي لا يمكن لأي صومالي وطني أن يستجيب للدعوة ويتوجه إلى حضوره، ولعل ذلك ما يفسر عدم حضور الكثيرين ممن تم توجيه الدعوة لهم وبخاصة من علماء الدين.

 

كذلك أعلنت المحاكم الإسلامية أنها كانت على استعداد لتلبية الدعوة إلى المؤتمر لولا وجود قوات الاحتلال في البلاد؛ لأنها ليست راغبةً في منح الشرعية لذلك الوجود العسكري، وهو ما يتفق مع ما كانت المحاكم قد أعلنته في السابق، من أنها لن تواصل المحادثات التي كانت قائمةً الصيف الماضي بينها وبين الحكومة الانتقالية برعاية جامعة الدول العربية في العاصمة السودانية الخرطوم إلا بعد خروج قوات الاحتلال، التي كان وجودها قاصرًا على عدة آليات وبعض الجنود والمدرَّبين العسكريين.

 الصورة غير متاحة

شيخ شريف شيخ أحمد

 

ولم تكتفِ المحاكم بإعلان المقاطعة، بل أكد رئيس المحاكم شيخ شريف شيخ أحمد تخطيط المعارضة الصومالية لتنظيم مؤتمر للمصالحة في العاصمة الإريترية أسمرا أغسطس المقبل، يشارك فيه مع المحاكم عددٌ من الشخصيات الصومالية في المهجر وبعض السياسيين وعلماء الدين وأعضاء البرلمان الحر، الذين انفصلوا عن البرلمان المؤقت في الصومال؛ بسبب سياساته الموالية لقوات الاحتلال، ومن المقرَّر أن يكون الهدف الرئيسي لمؤتمر المصالحة الذي تعقده المعارضة الصومالية هو إخراج قوات الاحتلال من البلاد، في إشارةٍ إلى أن الاحتلال سبَبُ عرقلة المصالحة الصومالية الشاملة.

 

وبصفة عامة لا يمكن القول بأن خروج الاحتلال هو مطلب من المعارضة الصومالية فحسب، بل إن كثيرًا من القوى الدولية طالبت بخروج الاحتلال الإثيوبي من الصومال، وفي مقدمتها إيطاليا، التي وصفت الاحتلال الإثيوبي- على لسان أحد دبلوماسييها- بأنه "أمرٌ بغيضٌ" لا يشجع على تحقيق المصالحة الصومالية، كما وجَّهت المنظمات الحقوقية انتقاداتٍ واسعةً للاحتلال الإثيوبي؛ بسبب ارتكابه جرائم حرب ضد المواطنين الصوماليين، ومسئوليته عن تردِّي الوضع الأمني في البلاد بصورة خطيرة؛ نتيجةً لعودة نشاطات أمراء الحرب، وقيام قوات الاحتلال بالتنسيق معهم، إما لضرب المقاومة، أو للحصول على جزء من المكاسب المادية التي ينالها أمراء الحرب، جرَّاء ممارستهم عمليات السلب والنهب ضد أبناء وطنهم.

 

العنصر الخارجي

مع الإقرار بمسئولية الحكومة الانتقالية في الصومال والاحتلال الإثيوبي عن التردِّي الحالي في الأوضاع الصومالية، إلا أن العنصر الأكثر أهميةً وتأثيرًا في الساحة الداخلية الصومالية هو العنصر الأمريكي؛ ذلك أن الإدارة الأمريكية يهمُّها بالدرجة الأولى القضاء على المحاكم الإسلامية في إطار حربها المستعرة في كل أنحاء العالم ضد التيار الإسلامي، وبالتالي دعمت الحكومةُ الانتقاليةُ وساندت الغزوَ الإثيوبيَّ للصومال؛ من أجل تكريس فكرة "التدخل الخارجي" في شئون الدول؛ مما يدعم موقفها في العراق وأفغانستان اللتَين تعرَّضتا لغزو أمريكي بمبررات مشابهة للمبررات الإثيوبية في الصومال.

 

ثم جاء التحرك الأمريكي باتجاه عقد مؤتمر المصالحة الرامي إلى تكريس وجود الاحتلال، من خلال إيجاد منظومة سياسية في الدول الخاضعة للاحتلال، تعطي لقوة الاحتلال شرعيةً يستحيل الحصولُ عليها، وهو الأمر الذي سيعود بالنفع أيضًا على الأمريكيين في العراق وأفغانستان، كما هدف الأمريكيون أيضًا من عقد مؤتمر المصالحة وإقصاء المحاكم عنه إلى الاستمرار في اتباع إستراتيجية إقصاء التيارات الإسلامية المعتدلة، في تكرارٍ للسيناريو الذي تشهده الأراضي الفلسطينية حاليًّا، بمحاولة إبعاد حركة المقاومة الإسلامية حماس عن المشهد السياسي الفلسطيني.

 

إذن الصومال تحوَّلت إلى نموذج لتنفيذ المخططات الأمريكية حول العالم بضرب التيارات الإسلامية ومحاولة تبرير الاحتلال، من خلال استخدام بعض القوى الداخلية، إلا أن هذه الأهداف كانت هي السبب الرئيسي في إفشال مؤتمر المصالحة الذي خرج ولم يعد!!