تمر مصر في الفترة الحالية بموجة ارتفاع في درجة الحرارة؛ حيث لم تنخفض درجات الحرارة في الفترة الماضية عن مستوى الـ38 درجةً مئويةً، بينما تجاوزت في بعض الأيام مستوى الـ42 درجةً مئويةً في العاصمة القاهرة مع ارتفاعٍ كبيرٍ في نسبة الرطوبة من المُرجَّح أن يزيد خلال الفترات القادمة؛ لحلول فترة فيضان النيل في أُغسطس من كل عامٍ، وهي الفترة التي تشهد ارتفاعًا طبيعيًّا في نسبة الرطوبة.
ويأتي ذلك على الرغم من أن درجات الحرارة في مثل هذا الوقت من العام لا تتجاوز في المناطق الساحلية أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، بينما لا تزيد عن أواسط الثلاثينيات في القاهرة ومصر الوسطى حتى تصل إلى حوالي 42 درجةً في مصر العليا، وهي مناطق الصعيد مثل المنيا وأسوان وما بينهما؛ مما يعني أن هناك زيادةً أكبر من اللازم في درجات الحرارة خلال هذا الصيف لم تحدُث في السابق على الرغم من تعدد موجات الارتفاع في درجات الحرارة التي تمر بها البلاد.
![]() |
|
موجة الحر تسببت في اندلاع حرائق بتونس |
فما هي تلك الأسباب التي أدَّت إلى تلك الموجة من الارتفاع في درجات الحرارة؟! وهل هناك أسباب تتعلق بمصر وحدها؟! وما الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية من أجل التصدي لها والتخفيف عن المواطن المصري؟!
الاحتباس الحراري
من بين الأسباب الرئيسية وراء الارتفاع الحالي في درجات الحرارة محليًّا وعالميًّا هو ظاهرة "الاحتباس الحراري"، وهي الظاهرة الممثلة في ارتفاع متوسطات درجات الحرارة في بيئةٍ ما نتيجة تَغيير في تدفق الطاقة الحرارية من البيئة وإليها.
![]() |
وقد اختلف العلماء في مبررات حدوث تلك الظاهرة، فهناك مَن يقول: إنها ظاهرة مناخية طبيعية؛ حيث يشهد مناخ الأرض فترات ساخنة، وأخرى فترات باردة بصورةٍ طبيعيةٍ بعيدًا عن أي تأثيرٍ بشري، مُستدلين بعددٍ من السوابق التاريخية، ومن بينها ما جرى بين القرنين الـ17 والـ18 في أوروبا من انخفاضٍ مفاجئ غير مبررٍ لدرجات الحرارة.
إلا أن بعض العلماء يرون أن تلك الظاهرة صناعية المنشأ، وترجع إلى الإفراط في استخدام الغازات المُلوثة كالآزوت وثاني أُكسيد الكربون.
بينما يقف البعض الآخر في الوسط؛ حيث يرون أن هناك وجودًا للبُعد الطبيعي إلا أنهم يؤكدون أن التلوث هو العنصر الأبرز وراء نشوء تلك الظاهرة التي ستؤدي في النهاية إلى ارتفاعٍ في منسوب المُسطحات المائية في العالم بحوالي 48 سم خلال فترة زمنية قصيرة.
الأشعة فوق البنفسجية
ومن بين الأسباب الأخرى التي أدَّت إلى ارتفاع درجات الحرارة في البلاد، ومرورها بهذا المستوى "الساخن جدًّا" هو مرور مصر بظاهرة مناخية نادرة الحدوث في البلاد، وهي دخول مصر "أقصى حيزٍ لمعدل الأشعة فوق البنفسجية"، وهي الأشعة التي يتسبب التعرض لها لفتراتٍ طويلة في الإصابة ببعض الأمراض، ومن بينها سرطان الجلد، وحدوث الحروق العميقة في الجلد، وظهور الطفح الجلدي على الشفاه، وهو المرض المعروف بـ"هربس الشِّفة" إلى جانب المياه البيضاء في العين وتلف قرنية العين.
والأشعة فوق البنفسجية هي أشعة كهرومغناطيسية تنتج عن العديد من المصادر، ومن بينها ما هو طبيعي كأشعة الشمس، وما هو صناعي مثل عمليات قص اللحام، ويبلغ مستواها أقصى ارتفاع خلال الفترة بين أبريل وأُغسطس من كل عامٍ، وتنقسم تلك الأشعة إلى عدة أنواع هي: "أ" وب" و"ج"، والنوع الأخير هو الأخطر حيث يُهدِّد كل أشكال الحياة على سطح الأرض لكنه لا يصل إليها من أشعة الشمس حيث تحجبه طبقة الأوزون.
أما "أ" و"ب" فهما النوعان اللذان يصلان إلى الأرض، ويمكن أن ينتجا من مصادر صناعية أيضًا وتعتبر الأشعة "أ" الأخطر؛ حيث تصل إلى مستوياتٍ أكثر عمقًا من الجلد؛ مما يؤدي إلى تدمير خلايا حساسة فيه بصورة تسبب الإصابة- فيما بعد- بسرطان الجلد؛ أي أنها لا تؤدي إلى الإصابة بسرطان الجلد مباشرة، كما تؤدي إلى الإصابة بمرض المياه البيضاء، بينما تؤدي الأشعة "ب" إلى الإصابة بسرطان الجلد مباشرةً بخاصة لمَن أُصيبوا في السابق بضربات الشمس إلى جانب بعض الأمراض الأخرى مثل المياه الزرقاء، وضعف جهاز المناعة.
![]() |
|
طفلان يسبحان في المياه هربًا من حرارة الجو |
ويأتي الأطفال على رأس قائمة الفئات الأكثر عرضةً للتضرر من الأشعة فوق البنفجسية؛ لحساسية جلدهم، وبالإضافة إلى الأطفال فإن هناك ملوني العيون؛ حيث تكون قرنيتهم حساسة؛ الأمر الذي يؤدي إلى تضررها بصورةٍ أسرع من سود أو بنيي العيون.
كانت هذه هي الأسباب التي أدت بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشرة إلى الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، فتفَاقُم ظاهرة الاحتباس الحراري أدى إلى ارتفاع درجة الحرارة في مصر ومختلف أنحاء العالم، بينما أدت الأشعة فوق البنفسجية إلى هذه الموجة الحادة من الحرارة وسطوع الشمس غير المعتاد في البلاد، فماذا فعلت الحكومة من أجل مواجهة تلك الأخطار؟؟!
برود حكومي!!
حاتم الجبلي وزير الصحة المصري

في مواجهة أزمة الأشعة فوق البنفسجية اكتفت الحكومة المصرية بإطلاق تحذيرات للمواطنين على لسان د. عبد الرحمن شاهين- المتحدث باسم وزارة الصحة- الذي نصح المواطنين بعدم التعرض لأشعة الشمس بصورةٍ مباشرة، والعمل على اتخاذ الإجراءات اللازمة للتصدي لها مثل ارتداء النظارات الواقية، والملابس المناسبة دون توضيح الوسائل التي يمكن من خلالها للمواطن الحصول على تلك الأجهزة المساعدة.
كما لم توضح وزارة الصحة السُّبل التي يمكن للمواطن اللجوء إليها من أجل إجراء إسعافات أولية في حالة التعرض لأية أضرارٍ صحية جرَّاء تلك الظاهرة، بل إن المتحدث لم يذكر الأعراض الأولية التي يمكن للمواطن عبرها معرفة ما إذا كان قد أُصيب بأحد تلك الأمراض الخطيرة أم أنها مجرد تأثُّر اعتيادي بارتفاع درجات الحرارة.
ولم تكتفِ الحكومة المصرية بهذا التجاهل في عملية التوعية الصحية، فبدلاً من النشاط أمام دور العبادة والمدارس ومقرات تنسيق الثانوية العامة، وغيرها من أماكن تجمعات المواطنين لتوزيع منشورات توعية، نجد أن الحكومة تقصر في بعض المجالات التي تعتبر حيويةً ورئيسيةً في كل أوقات العام، إلا أنها تمثل "مسألة حياة أو موت" بالنسبة للمواطنين في الصيف ومن بين هذه المجالات الكهرباء والماء.
حكومة نظيف في وادٍ آخر!
فوسط هذه الظروف المناخية غير الاعتيادية تتجاهل الحكومة المصرية زيادة مستوى الخدمات والمرافق من أجل مساعدة المواطنين على تجاوزها، فظهرت أزمة نقص المياه في عددٍ من القرى بسبب اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، أو عدم توافر المياه من أساسه في بلد نهر النيل؛ مما دفع الكثير من المواطنين إلى الخروج في مظاهراتٍ احتجاجيةٍ عُرفت باسم "مظاهرات العطش" في عددٍ من المحافظات من بينها محافظة كفر الشيخ.

وإلى جانب ذلك، تأتي حالات الانقطاع المتكررة للتيار الكهربائي، وهي الحالات التي يبررها المسئولون بزيادة الأحمال، وهو المبرر الذي يتكرر كل صيف، وعلى الرغم من ذلك فإن الجهات المختصة لم تجد لها أية حلولٍ منذ سنوات، وبالتالي فإن الأمر لا يعدو أن يكون جزءًا من منظومة التجاهل الحكومية لكل مطالب المواطنين مع الاستجابة "الفورية" لكل مطالب المستثمرين الأجانب؛ مما يزيد من حدة المرارة التي يعانيها الشعب المصري.
إذن الاحتباس الحراري والأشعة فوق البنفسجية ألهبا صيف المصريين على كل المستويات، بينما تواجه الحكومة ذلك بتجاهل الحاجات الأساسية للمواطنين، والاكتفاء فقط بمجرد إعطاء النصائح والتوجيهات في "برود" لا يتفق مع الظروف المناخية الملتهبة!!


