أصدرت لجنة التحقيق التي شكَّلها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن تقريرها عن أحداث غزة الأخيرة في فترةٍ قياسيةٍ لم يكن من المنتظر أنْ تكون هي سرعة صدور هذا التقرير، وبعيدًا عن كلام نبيل عمرو- المستشار الإعلامي لعباس، خلال إعلانه عن ملامح ما جاء في التقرير- فإنَّ طابع "الغرابة" والمتناقضات السياسية الذي يطبع السياسة الفلسطينية في جانبها الخاص برام الله في الآونة الأخيرة- وتحديدًا منذ فوز حماس في انتخابات يناير 2006م التشريعية- كان هو اللافت في التقرير الذي جاء في كثيرٍ من جوانبه بمثابة خطوة إلى الوراء على طريق الحوار بين الفرقاء الفلسطينيين في هذه المرحلة شديدة الحساسية من تاريخ القضية الفلسطينية.
فالمشكلة الأبرز التي عبَّر عنها هذا التقرير في توقيته هذا ليست في محتواه، ولكن في الدلالات العامة التي جاءت فيه؛ فأولاً تشكيل اللجنة وإنْ كان جاء تحت مسمَّى لجنة مستقلة شكَّلتها السلطة الوطنية الفلسطينية إلا أنَّ الطابع "الفتحاوي" غلب عليها، وعلى ذهنية القائمين على العاملين في اللجنة، وانطلقوا في مهمتهم وهم مركِّزون على أمرٍ واحدٍ أو مهمةٍ واحدة، هي معرفة أسباب إخفاقات الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة ولحركة فتح داخل قطاع غزة في مواجهة الإجراءات التصحيحية التي اتخذتها حركة حماس في مواجهة الفساد وحفظ الأمن في قطاع غزة؛ حقنًا لدماء الفلسطينيين، وتسديد البندقية الفلسطينية إلى صدور المحتلين بدلاً من الإخوة في حركة فتح أو حماس.
حماس سيطرت على المقرات الأمنية لحماية الفلسطينيين
ولم تنطلق اللجنة من الإطار الصحيح للمهمة المفترضة منها، وهي أسباب ما قامت به حماس، وحالة الفساد والفشل التي ضربت بأطنابها في أوساط الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والجرائم التي ارتكبتها في حقِّ أبناء الشعب الفلسطيني.

ومن هنا وفي الإطار العام الذي جاءت فيه المهمة وبعض نتائج التقرير أوضحت القيادات الفلسطينية في السلطة وفي حركة فتح أنَّ فكرة الحوار مع حماس مُنعدمة، بالرغمِ من أنَّ كلَّ الأطراف العربية والدولية أجمعت على أنَّ الحوار بين طرفي الأزمة هو الحل الوحيد لتجاوز الفترة الماضية وآثارها.
حقائق
بدايةً جاء التقرير ليؤكِّد على مجموعةٍ من الحقائق التي تصب في جانب حماس، بعكس ما أراده معدو التقرير، ومن بين ما جاء في التقرير:
- لجوء بعض المسئولين الأمنيين والسياسيين التابعين لفتح والسلطة في قطاع غزة إلى تقديم معلوماتٍ تضليلية للمستوى القيادي في رام الله عما يجري في غزة ولم يكن لها أساس من الصحة.
- ضعف عملية التجنيد داخل الأجهزة الأمنية واتسامها بالعشوائية؛ مما أسهم في اختراقها بشكلٍ فردي أو جماعي، وحدوث خلل كبير في البنية الأساسية للأجهزة الأمنية الفلسطينية.
- اعتماد الأجهزة الأمنية الفلسطينية وعمليات التعيين فيها إلى الاعتبارات الفصائلية والعشائرية؛ ممَّا حوَّلها إلى إقطاعيات لصالح بعض الأشخاص.
- ثبت للجنة التحقيق عدم وجود قيادة ميدانية عسكرية للعمل في قطاع غزة، وأنَّه رغم أنَّ أبو مازن أمر بتشكيل غرفة عمليات مشتركة مع مختلف الأجهزة لم تكن هذه الغرفة تعمل.
هذه الظروف التي نقلها التقرير عن حالة الأجهزة الأمنية الفلسطينية هي بالضبط الأسباب التي ساقتها حماس لتحرِّكها على النحو الذي جرى في غزة كما سبق القول، وحتى على مستوى التوصيات التي أتى بها التقرير؛ فإنَّ حركة حماس كانت خلال الأشهر التي سبقت أحداث غزة كثيرًا ما طالبت بها، ومن بينها:
- إعادة تأسيس الأجهزة الأمنية على "أساسٍ وطنيٍّ ومهنيٍّ عالٍ"، بعيدًا عن الاعتبارات الفصائلية، ومنع تحويل هذه الأجهزة لإقطاعياتٍ لـ"صالح بعض الأشخاص" دون تحديد.
- تخفيض رُتَبِ عددٍ كبيرٍ من الضباط والقادة الأمنيين، والاستغناء عن خدمات آخرين، وإحالة بعضهم إلى القضاء العسكري.
مغالطات
محمد دحلان

في المقابل أغفل التقرير تمامًا مجموعةً من الأمور المهمَّة المنقسمة إلى قسمَيْن: المجموعة الأولى هي بعض الأمور الظاهرة التي كان من المهم بحثها والإفصاح عنها، والمجموعة الثانية هي حزمة من القضايا التي جرى تجاهلها لحساب بعض رموز الفساد التي لا تزال مُتنفِّذَة في السلطة وفي فتح، والتي لم تنقص قوتها على الفعل كثيرًا باستقالة النائب محمد دحلان من منصبه كمستشار لشئون الأمن القومي لأبو مازن.
المجموعة الأولى من القضايا تتعلق بالفوضى التي كانت في الشارع الفلسطيني، وبالجرائم التي ارتكبتها بعض عناصر وقيادات الأجهزة الأمنية بحق عناصر حماس، على الأقل كمواطنين فلسطينيين يقع واجب حمايتهم على عاتق الأجهزة الأمنية الفلسطينية الرسمية، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية الخاصة بكونهم من حركة حماس.
هذه الجرائم التي ثبتت بالصور والتسجيلات من خلال أرشيف الوثائق الذي استولت عليه كتائب الشهيد عز الدين القسام أنَّها لم تقتصر على أعمال الاغتيال والتعذيب فحسب، بل امتدت إلى نطاق تسليم معلوماتٍ إلى الجانب الصهيوني تتعلق بخط سير وحركة بعض قيادات المقاومة الفلسطينية في القسام وغيرها من الفصائل؛ مما نتج عنه استشهاد بعض هؤلاء بنيران المحتل الصهيوني.
المجموعة الثانية من الملفات التي كان يجب على اللجنة "المستقلة" التي تمَّ تشكيلها بحثها هي تلك الملفات الخاصة بأعمال استغلال النفوذ والسلطة والفساد المالي والإداري من جانب بعض القيادات الأمنية، بجانب استخدام أساليب ضد القانون وتُخالف الأخلاق العامة للسيطرة على بعض كبار المسئولين الإداريين والسياسيين الفلسطينيين؛ لتمرير بعض المصالح الخاصة، ذات الطابع المناطقي العشائري أو الفردي الخاص.
أخطاء سياسية وقانونية
أعلام حركة حماس ترفرف في سماء غزة

في حقيقة الأمر فإنَّ اقتصار تحقيقات اللجنة على اتجاهٍ واحدٍ، وهو أسباب إخفاق الأجهزة الأمنية الفلسطينية في "التَّصدِّي" لحركة حماس يعطي إشارةً جيدةً حول الاتجاه الذي حملته هذه اللجنة في مهمتها وكذلك نتائجها ذات الطابع السياسي وليس المهني؛ ممَّا لا يعطي كثيرَ أملٍ في علاج الظروف الراهنة في القيادة الفلسطينية على المستويَيْن الأمني والسياسي.
كما أنَّ اقتصار اللجنة في تشكيلها على جانبٍ واحد يُمثِّل أحد أطراف الأزمة يعني ضعفًا في مصداقيتها؛ لأنَّها خصم وحكم، وهو وضع قانوني خاطئ، بجانب أنَّ "تسييس" اللجنة وعملها بات أمرًا بغير حاجة إلى المزيد من الإيضاح.
كذلك جاء بالتقرير عبارتَان شديدتا الأهمية لو صحَّتا لكان لذلك معنى شديد الخطورة على الكيفية التي تدير بها قيادة السلطة ممثلةً في أبو مازن لأجندة السياسة الداخلية الفلسطينية، العبارة الأولى- كما تناقلتها وكالات الأنباء- تقول بحسب ما قاله نبيل عمرو: "توصلت اللجنة إلى أنَّ مسئولي الأمن تقاعسوا عن إطاعة تعليمات عباس بأنْ يتخذوا إجراءاتٍ لإحباط "انقلابٍ" محتمَل من حماس"، أمَّا العبارة الثانية فتقول: "البنية الأساسية للأجهزة الأمنية الفلسطينية كانت خاطئةً ومرتجلةً، ولم يكن عليها أي رهان في أي مواجهة".
محمود عباس

أي أنَّ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وضع تعليمات محددة منذ بداية وصول حماس إلى الحكومة والمجلس التشريعي بوضعها في خانة الاستهداف الأمني؛ مما يدلُّ على أنَّ كل الانتهاكات التي قامت بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضد حماس وعناصرها في غزة والضفة كانت بأمرٍ مباشرٍ من أبو مازن لأجهزته الأمنية ونتيجةً لسياساته العامة التي وضعها، وأنَّ التضييق على حماس كان مقصودًا- أيضًا- لدفعها إلى فعل ما فعلت واستغلال ذلك لضربها والقضاء عليها، ولكن لم يُكتب لهذا المخطط الوصول إلى نهايته.
وهو ما يعني أنَّ عباس لم يراعِ في أبسط المستويات لا شرعية الصوت الفلسطيني في الانتخابات، ولا وضعية حماس في الشارع الفلسطيني ومدى تجذُّرها فيه؛ مما يعني أنَّ استهداف حماس في أبسط التقديرات يعني فوضى كاملة؛ لأنَّ أنصار حماس الذين انتخبوها وأيَّدوا برنامجها الذي يعتمد المقاومة والإصلاح ومكافحة الفساد لن يقفوا صامتين إزاء أي تصفية مُباشِرة لحماس ومشروعها الوطني.
الأخطر من ذلك أنَّ ما قاله التقرير وما قاله نبيل عمرو في مؤتمره الصحفي الذي أعلن فيه عن ملخص التقرير يعني أنَّ هناك تماهيًا واضحًا بين مخططات بعض السلطة الفلسطينية وحركة فتح وبين ما ترغب فيه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في شأنَيْن: الأول إسقاط أي تجربة إسلامية ناجحة للحكم في العالم العربي والإسلامي، والثاني إسقاط مشروع المقاومة من الحسابات الرسمية الفلسطينية؛ باعتبار أنَّ حكومة حماس جاءت بأجندة تدعم المقاومة؛ لأنَّه لا أحد يمكنه إسقاط المقاومة من الحسابات الشعبية، وأبرز دليل على ذلك هو مسارعة حكومة سلام فياض إلى التخلي عن خيار المقاومة المسلحة من برنامجها.
الخطأ الآخر الذي ارتكبته المجموعة التي أعدت التقرير أنَّها تحدثت عن اختراق عددٍ كبيرٍ من حركة حماس- نحو 13 ألف جندي و60 ضابطًا من الرتبِ الرفيعة- للأجهزة الأمنية الفلسطينية، هذا الكلام لا يجوز لا من الوجهة القانونية ولا السياسية؛ فقانونًا تُعتبر حركة حماس هي "الحزب الحاكم" في كلِّ الأراضي الفلسطينية" بموجب الانتخابات، ومن ثمَّ فإنَّ دخول عناصرها للأجهزة الأمنية لا يعني اختراقًا بأيِّ حالٍ من الأحوال.
الجانب السياسي لهذا الموضوع له أكثر من وجه؛ فأولاً كيف تتحدث توصيات التقرير عن ضرورة بناء أجهزة أمنية وطنية ومحترفة- كما تطالب حماس منذ فترة طويلة في حقيقة الأمر- ثم ينتقد دخول حماس إلى الأجهزة الأمنية؟! هذا يعني أنَّ الطابع الفصائلي لا يزال يحكم فكرَ وعقليةَ قيادات السلطة الفلسطينية، بمن فيهم أعضاء لجنة التحقيق "المستقلة"، ويُشير إلى تناقضٍ واضحٍ في العمل المؤسسي الفلسطيني الرسمي.
الوجه الثاني هو أنَّ الحديث عن "اختراقات" من حركة حماس للأجهزة الأمنية الفلسطينية يعني أنَّ السلطة الفلسطينية تحكمها عقلية "العدو" وهي تتكلَّم عن حماس!! والأدهى من ذلك أنَّ الحديث عن اختراقاتٍ صهيونية للأجهزة الأمنية الفلسطينية لم يلاقِه اهتمامٌ مماثلٌ من القيادات الفلسطينية، كما الحال بالنسبة للحديث عن اختراقٍ من جانب حماس لهذه الأجهزة.
وهنا عبارة مهمة قالها الباحث والمحلل الفلسطيني رشيد ثابت: "إنَّ اختراق أجهزة تخلَّلها الصهاينة حتى النخاع هو فريضة وطنية بل واجب شرعي على حماس وكل شرفاء فلسطين؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وليس في هذا أي تهمة أبدًا"!!