جاء الانسحاب السوري من الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب في مقرِّ جامعة الدول العربية ليبرز حقيقة الأزمة والاستقطاب الحاد الذي تشهده الساحة العربية في الوقت الراهن بعد سلسلة التحركات السياسية الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة في محاولةٍ منها لاستغلال الوضع الفلسطيني والشرق أوسطي العام لحصد بعض المكاسب السياسية والمواقف التي يمكن أنْ تغطي الأزمةَ الحقيقيةَ الراهنةَ للولايات المتحدة في العراق، وتضمن بعض البياض لصفحة الحزب الجمهوري السوداء في انتخابات الرئاسة المقبلة في الولايات المتحدة في العام 2008م القادم؛ خشيةَ تكرار تجربة الهزيمة التي مُنِيَ بها الحزب في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي بمجلسيه في نوفمبر 2006م الماضي.

 

وقد كان هذا الموقف السوري متوقَّعًا مُنذ أنْ عُرف أنَّ تمثيل دمشق في الاجتماع لن يكون على مستوى وزير الخارجية وليد المُعلِّم، وإنما سوف يكون على مستوى المندوب السوري الدَّائم لدى الجامعة السفير يوسف أحمد، ولعلَّ الموقف السوري كان واضحًا في الإعلان عن أنَّ سبب خروج سوريا من هذا الاجتماع هو الرفض السوري القاطع للمقترح الأخير الذي تقدَّم به الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن لعقد مؤتمرٍ للسلامِ في الشرق الأوسط يشمل جميع الأطراف، وقالت دمشق إنَّها لا ترى أي مصلحة لا للفلسطينيين ولا لأيِّ طرفٍ عربيٍّ آخرَ في عقد مثل هذا المؤتمر في مثل هذا التوقيت.

 

 الصورة غير متاحة

وزراء خارجية مصر والأردن ودول الخليج خلال اجتماع شرم الشيخ

وقد زاد من المخاوف والغضب السوري أنَّ هذا الاجتماع يجيء بعد أيامٍ قليلةٍ من زيارةٍ قام بها وزيرا خارجية مصر والأردن إلى تلِّ أبيب بتكليفٍ من جامعة الدول العربية لتفعيل المبادرة العربية للسلام؛ تلك المبادرة التي أعلن الكيان الصهيوني عن موافقته عليها شريطة إفراغها من مضمونها باستبعاد حقِّ العودة للاجئين الفلسطينيين منها، بما أشعر السوريين أنَّ مواقفهم الرافضة للتسوية في الوقت الراهن مع الكيان الصهيوني بشروطه وبشروط الأمريكيين- في لبنان والعراق وفلسطين- لا تلقى تأييدًا عربيًّا رسميًّا من الدول العربية الكبرى مثل مصر والسعودية، بالإضافة إلى دولِ الخليج العربية والأردن.

 

الموقف السوري- أيضًا- ليس موقفًا فرديًّا؛ حيث إنَّ هناك العديدَ من الأطراف العربية التي ترفض المقترح الأمريكي الجديد وإن منعها واجب اللياقة من الانسحاب من الاجتماع مثل السعودية وقطر، على اعتبار أيضًا أنَّ كلا البلدَيْن يتحفظ فقط على عقد مثل هذا المؤتمر ولا يرفضه بالكليَّة مثل سوريا، بينما تحمست كلٌّ من مصر والعراق والأردن والسلطة الفلسطينية في رام الله لمبادرة بوش الجديدة.

 

هذه هي أبرز ملامح الوضع الراهن الذي أفرزه الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بشأن الحالة العربية، ولكن خلفية الصورة مختلفة تمامًا عمَّا هو ظاهرٌ من ملامح الصورة ذاتها، هذه الخلفية التي تبرز من وراء غبار الطائرة التي تقل وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس ووزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس إلى الشرق الأوسط؛ وتحديدًا إلى مصر والسعودية؛ حيث من المقرر اليوم انعقاد اجتماعٍ موسَّعٍ على مستوى وزراء خارجية مصر والأردن وبلدان الخليج العربية السِّت في شرم الشيخ.

 

مخطَّط كامل

 الصورة غير متاحة

ماذا يدبر الرباعي بوش وتشيني ورايس وجيتس؟!

لا تنفصل "مبادرة" الرئيس الأمريكي الأخيرة عن مجموعةٍ من التطورات التي جرت في الفترة الأخيرة، وإنْ كان من المهم مبدئيًّا التأكيد على حقيقة مهمة تتعلَّق بمثل هذه المبادرات؛ فالرئيس الأمريكي فشل تمامًا في فرضِ المبادرات التي طرحها في سنوات حكمه السبع حتى تلك التي تُعنى بمصلحة بلاده؛ فمبادرات الشرق الأوسط الكبير والجديد فشلت بسبب ما يجري في العراق، وبسبب قوى الممانعة الشرق أوسطية مثل سوريا وإيران وحزب الله وحماس.

 

على جانبٍ آخر فإن وعود الرئيس بوش الابن الخاصة بالسلام والشرق الأوسط وفلسطين لم تَعُد "تؤكِّل خبزًا"؛ فأين هي مبادراته وخططه العديدة لحل الأزمة بين الفلسطينيين والصهاينة وإقامة دولة فلسطينية مثل خطط ميتشيل وتينيت ومبادرة خارطة الطريق؟!!، كلها ماتت أو كانت عبارةً عن أحاديثَ إعلاميةٍ الغرض منها الاستهلاك فقط وتهدئة الخواطر، أو تحقيق مصلحة أمريكية أو صهيونية، وهو ما يجعل الجميع يتساءل ما الذي سوف يجعل حظوظ المؤتمر الجديد أفضل من سابقيه، خاصةً بعد تجربة مدريد 1991م التي كانت عوامل نجاحها أفضل بكثيرٍ من الآن، ويكفي اختلاف القيادة الأمريكية والصهيونية والسورية والفلسطينية عن القيادات الحالية الأضعف كثيرًا من سابقتها في مطلع التسعينيات، مما يجعلها غير قادرة على فرض الأمر الواقع أو تقديم تنازلات تقنع بها الشعوب.

 

الأمر الآخر الأهم من ذلك في المبادرة الأمريكية الجديدة تأتي في سياقِ مخطَّطٍ أشمل وأوسع لا يتعلَّق بالمرة بالوضع الفلسطيني أو التسوية؛ بل بالملف الأخطر المطروح الآن في الشرق الأوسط؛ وهو الخاص بالمساعي الأمريكية الصهيونية لتصفية جبهة الممانعة العربية الإسلامية التي تتصدى للمشروع الأمريكي- الصهيوني في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي؛ وهي الجبهة التي تضم إيران وسوريا وبعض الأطراف الفلسطينية واللبنانية وعلى رأسها تحالف بري- نصر الله في لبنان وحركة حماس بين فلسطين وسوريا.

 

ولذلك لا يمكن بحالٍ النظر لموضوع المؤتمر الجديد من وجهةِ نظرٍ واحدة ضيقة تتعلق به بذاته؛ بل إنَّ التحليل الأوسع للأمور يربط بين أحداثٍ كبارٍ شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة وبين هذه المبادرة الأمريكية الجديدة؛ مثل اغتيال رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات، وفوز حماس في الانتخابات الفلسطينية وهزيمة الكيان الصهيوني أمام حزب الله في حرب الصيف الماضي، والتهديدات الأمريكية الراهنة لإيران فيما يخص الوضع في العراق والملف النووي الإيراني، وأخيرًا الجهود الأمريكية التي أثمرت عربيًّا في عزلِ سوريا التي شعرت أنَّ هذا المؤتمر لو نجح بأيِّ درجةٍ من الدرجات؛ مع استعداد رام الله لتقديم أيَّةِ تنازلاتٍ للصهاينة فقط لإحراج حماس داخليًّا وزيادة حصارها خارجيًّا فإنَّ ذلك كفيلٌ بإظهار سوريا بمظهر الطرف الوحيد الذي يُعارض السلام في الشرق الأوسط، ممَّا سيزيد من عزلتها وسوء صفحتها أمام المجتمع الدَّولي.

 

على الجانب الآخر تتزايد الضغوط في الوقت الراهن على الأطراف العربية داخل جبهة الممانعة تلك- باعتبار أنَّ الدبلوماسية الإيرانية استطاعت تأمين الكثير من جبهاتها في أزمتها النووية بالروس والصينيين وفي أوروبا ذاتها- فحزب الله مُحاصر بأزمته الداخلية، ومحاولات الحد من عمليات تسليحه، وحماس تواجه معركتها مع الأخوة في الداخل والأعداء المحيطين بها عبر البحرِ وعبر المحيط وصولاً إلى لندن وواشنطن، ويتبقى سوريا التي سوف تؤخذ في رديف أي تحركٍ أمريكي يستهدف طهران.

 

وهو ما يتفاعل في الوقت الراهن في زيارة رايس وجيتس؛ حيث من المقرَّر مناقشة هذه الحزمة من القضايا مع وزراء خارجية دول الخليج ومصر والأردن، كما يعتزم الأمريكيون طرح شروطهم الخاصة بالمنح العسكرية الجديدة التي أقرتها الإدارة الأمريكية، والبالغ إجماليها للكيان الصهيوني ومصر والسعودية ودول الخليج العربية الخمس الأخرى نحو 63 مليار دولار موزعةً على عشر سنوات، وتشمل المنحة السنوية العسكرية المعتادة لمصر- 1.3 مليار دولار- والدول العربية الخليجية- نحو 5 مليارات، وبزيادة 600 مليون دولار سنويًّا للكيان الصهيوني عن المنح السنوية العادية التي تبلغ في المعتاد نحو 2.4 مليار دولار.

 

 الصورة غير متاحة

المؤسسة العسكرية الأمريكية تهدف لتسويق أسلحتها

وبذلك تكون واشنطن بالفعل قد بدأت في وضع الكيان الصهيوني في بوتقة سياسية واحدة تضم معسكر البلدان العربية التي توصف بـ"المعتدلة" في مواجهة معسكر الممانعة الأمريكي- الصهيوني، وزاد من ترجيح هذا الخيار موقف الكيان الصهيوني الذي رحَّب بالصفقات الأخيرة الأمريكية مع الدول العربية، والتي تُضاف إلى صفقة أخرى تعتزم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عقدها مع المملكة العربية السعودية وقيمتها 20 مليار دولار، مع التحفظ فقط على نوعية السلاح المُقدَّم للسعوديين وأماكن تمركزه؛ حيث اشترط الصهاينة حصولهم على نوعيات سلاح أمريكي أكثر تطورًا من تلك التي سوف تتلقاها السعودية، كما طلب الصهاينة من الأمريكيين الاشتراط على السعوديين عدم تمركز السلاح الجديد الذي سوف يحصلون عليه- الذي يشمل ضم أنظمة دفاع مضادة للصواريخ، وأنظمة رادار للإنذار ووسائل دفاعية جوية وبحرية أخرى- في القواعد العسكرية شمال المملكة؛ في تبوك ومنطقة الحدود الشمالية، وهو غالبًا ما وافقت عليه الرياض.

 

على هذا النحو تمضي السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؛ فرغم فشلها الذريع أمام معسكر الممانعة، وأمام المعسكر الشعبي الذي يقاومها في لبنان وفلسطين والعراق إلا أنَّ عامل النجاح الوحيد الآن الذي يلعب عليه الأمريكيون هو دعم الأنظمة العربية لهم!!، وليس أدل على ذلك من تصريح وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس حول أهمية جولته الحالية مع رايس: "أنْ يسافر وزيرا الخارجية والدفاع معًا إلى أي منطقة فإنه شيء نادر جدًّا إنْ لم يكن غير مسبوق، كما أنَّ هذه الجولة تظهر مدى الأهمية التي تعلقها الولايات المتحدة على طمأنة أصدقائنا"!!