قبل أن ينعقد المجلس النيابي الجديد والمقرر له يوم 4 أغسطس الحالي بدأت الخلافات بين النخب الفكرية والسياسية التركية حول المواد والنصوص اللازم تغييرها في الدستور التركي إيفاءً بوعد إصدار دستور مدني جديد الذي وعدت به معظم الأحزاب السياسية الشعب التركي في الحملة الانتخابية التي مكَّنت لحزب العدالة والتنمية للحكم وبأغلبية مقاعد المجلس.

 

كان الدكتور ظفر أوزكول- أستاذ القانون الدستوري وعضو البرلمان المنتخب من حزب العدالة والتنمية عن محافظة مرسين- عاد مجددًا لطرح رؤيته القانونية بخصوص تغيير مواد بالدستور التركي والتي تصبُّ في جعله دستورًا مدنيًّا معاصرًا لرياح الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ حيث دعا أوزكول بعد فوز العدالة والتنمية بالأغلبية البرلمانية إلى حذف عبارات "العلمانية وانقلابات آتاتورك" الواردة بالمادة 2 من الدستور التركي الحالي- "تنص المادة الرابعة من الدستور على منع تغيير المواد 1 و2 و3 أو التقدم بمقترح تعديلهم"- الصادر بتاريخ 7/11/1982م والموضوع وقت الحكومة الانقلابية برئاسة الفريق كنعان إيفرن.

 

ويقول أوزكول إن التطبيقات العلمانية والمبادئ الأتاتوركية ليستا بحاجةٍ للذكر في الدستور؛ لأنهما موضع تطبيق وتنفيذ منذ عشرات السنين.

 

موقف جبهة الدعم والتأييد

 

 د. ظفر أوزكول

في تعليقه على ما طرحه الدكتور ظفر أوزكول قال بولنت آرينش رئيس البرلمان التركي السابق والعضو المنتخب عن محافظة بالي كثير أنه رأي أستاذ جامعي ويحق له التصريح والإدلاء برأيه كأستاذٍ أكاديمي دون أن يمنعه أحد.

 

من جهته طالب أفق أوراس العضو البرلماني المستقل- رئيس سابق لحزب الحرية والديمقراطية ODP- طالب بسرعة تعديل الدستور وقانوني الانتخابات والأحزاب السياسية.

 

أما طرخان آردم- العضو السابق بالحزب الجمهوري والذي توقَّع فوز العدالة بنسبة 48% دعا إلى تعديل اللائحة الداخلية للبرلمان وليس الدستور فقط؛ لأنها ستؤثر على موقف الأحزاب السياسية وعلى المستقلين أيضًا.

 

ويقول المحلل السياسي التركي الشهير فهمي قورو- جريدة يني شفق- أن وعدَ تغيير الدستور كان أهم الوعود التي تقدم بها حزب العدالة والتنمية للشعب بحملتة الانتخابية؛ ولذا عليه تنفيذ هذا الوعد لكي يمكن وضع دستور مدني لتركيا.

 

الدكتور أثر قراقاش (أستاذ اقتصاد) كتب بجريدة (وقت) عدد يوم 1/8/2007م يقول: "هذا الدستور عدلت بعض مواده أكثر من مرة، ولكن لم يصلح وأصبح لزامًا إصدار دستور جديد مدني مفهوم وأن المصادر غير المستندة على الكمالية الآتاتوركية لا تعني ضياع الدولة القومية، ومن اللازم وضع المادة السادسة في شكل يتوافق مع الاتحاد الأوروبي، وطالب قراقاش كذا بتعديلات بالمواد 81، 66، 9، 7، 83، 101".

 

وكتب أحمد حمدي بنفس الجريدة مدافعًا عن التعديلات المقترحة يقول: "الكل يعرف أن الدكتور ظفر أوزكول قادمٌ من التيار اليساري، ولكنه ديمقراطي مؤمن بالحرية؛ لذا يرى أن لا يكون الدستور خاضعًا لأي إيديولوجيا، وأن يكون محايدًا، والأمر لا يتعلق فقط بالأتاتوركية الواردة بالدستور، ولكن بكل ما يؤدي للضرر بحقوق المساواة والديمقراطية، وعلى الذين يعارضون مقترحاته أن يُفكِّروا ويُقدِّموا ما لديهم، ويطالب صلاح الدين شاكر جيل في مقالةٍ له بيومية وقت بالتخلص من عبودية الكمالية؛ لأنها أصبحت نوعًا من الإيديولوجيا والرياء الرسمي والسياسي على مدار 80 سنةً، والذين يعارضون ظفر أوزكول لا زالوا يربطون بين استمرار الجمهورية وبين الكمالية والحقيقة أن الوقت حان لإصدار دستور يناسب المجتمع المدني ويخلص المجتمع من العبودية الكمالية الباعثة على الخجل.

 

صحيفة (وقت) التركية اليومية وضعت عنوانًا رئيسيًّا لعدد يوم 31/7/2007م على شكل "الدستور المدني" أيَّدت فيه الآراء المطالبة بتعديل الدستور وإصدار دستور جديد مدني يتخلص من الصبغة العسكرية التي تسيطر على الدستور الحالي.

 

موقف جبهة المعارضة

النخب السياسية والفكرية والحزبية في التيار العلماني تعد نفسها على ما يبدو لمعركةٍ مع الحزب الحاكم والأغلبية البرلمانية المسيطر عليها لرفض مقترحات تعديل الدستور التي يدعو لها مجموعة من أساتذة القانون الدستوري بالجامعات التركية، ومن ثَمَّ قال دنيز بايقال زعيم حزب الشعب الجمهورى المعارض CHP؛ ردًّا على إعلان الدكتور ظفر أوزكول بحذف العلمانية والأتاتوركية: هذا هدف في أول دقيقة، إنه شيء يبعث على الأسى أن يتم الحديث عن تعديل الدستور بهذه السرعة مع أن هناك الكثيرَ من المشاكل ذات الأهمية بتركيا.

 

وعلَّق قمر جانش العضو المستقل- وكيل المجلس الأسبق والعضو السابق بحزب الطريق القويم DYP- عن محافظة تونجلي بشرق تركيا بالقول: إن دعوة أوزكول لتعديل أسس الدستور الجديد ترمي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بالجمهورية العلمانية؛ لذا أنا أرفضها.

 

الدستور التركي

 

كما دعا قمر جانش حزب الحركة الوطنية المعارض MHP بزعامة دولت باغجلي إلى التراجع عن قرار المشاركة في جلسات البرلمان لانتخاب رئيس الدولة لمنع انتخاب عبد الله جول أو مَن يُرشَّح من العدالة.

 

تقول جريدة (ميلليت) يوم 1/8/2007م أن مشروع التعديل الدستوري بالعدالة والتنمية اكتمل تحت لجنة برئاسة جميل شيشك وزير العدل السابق ومشاركة الدكتور برهان قوزو (أستاذ قانون دستوري) والدكتور ظفر أوزكول (دستوري) وأخذ رأي الدكتور أرجون أوزبودون (دستوري)، وأنه يتضمن تقليص صلاحيات رئيس الدولة والحق في الاعتراض أمام القضاء على قراراته المنفردة، وكذا قرارات مجلس أعلى القضاء ومجلس الشورى العسكري وإلغاء مجلس أعلى التعليم واختيارية مادة التربية الدينية بالمدارس وإخراج سكرتارية مجلس الأمن القومي من الدستور، وجعل عدد أعضاء المحكمة الدستورية 17 عضوًا بدلاً من 11 عضوًا ويُعيَّن 7 منهم البرلمان وتشكيلها من مجلسين منفردين بدلاً من واحد، وإلغاء مجلس أعلى القضاء وإشراف وزارة العدل على القضاء وينفرد القضاة بإدارة شئونهم وقيام أعضاء هيئات التدريس بالجامعات بانتخاب رؤساء الجامعات وليس بتعيينهم من الرئيس وتوافق قرارات القضاء مع اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية وتخصيص قسمٍ من الدستور لحقوق الأطفال بالتوافق مع اتفاقيات الأمم المتحدة للطفولة والتأكيد على التفرقة الإيجابية للمرأة في الميدانين الاجتماعي والسياسي، وأضافت ميلليت القول بأن طيب أردوغان شكَّل لجنة من 9 من المدرسين لمعالجة الأخطاء الواردة بكتب المدارس التعليمية خصوص المكتسبات الأتاتوركية.

 

تجدر الإشارة إلى أن الدستور التركي الحالي وافق عليه المجلس الاستشاري بتاريخ 23/9/1982م ومجلس الأمن القومي بتاريخ 18/10/1982م، وتمَّ التصويت الشعبي عليه بتاريخ 7/11/1982م ونشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 9/11/1982م ويتكون من عدد 177 مادةً وفي مادته الثانية يذكر "أن الجمهورية التركية دولة ديمقراطية علمانية وحقوقية اجتماعية مرتبطة بالوطنية الأتاتوركية وتستند للمبادئ الأساسية المُوضَّحة في بداية الدستور وتحترم حقوق الإنسان في إطار مفهوم الاستقرار والتضامن والعدالة الجتماعية".

 

وفي الفقرة الثانية من المادة 27 تحظر النشر الهادف إلى تعديل المواد 1+2+3 من الدستور، وتذكر الفقرة الثانية من المادة 42: "يخضع التعليم والتعلم لسيطرة ورقابة الدولة وينظم وفقًا لمبادئ أتاتورك وانقلاباتة ولأسس العلم والتعليم المعاصر"، وتذكر المادة 58 "في إطارٍ من العلم المثبت وأمانة الدولة والجمهورية والاستقلال المقدمة للشباب تتخذ التدابير اللازمة ضد الآراء الرامية التخلص من مبادئ وانقلابات أتاتورك ووحدة الشعب وسيادة الدولة".