بعد أن نجحت حركة المقاومة الإسلامية حماس في تخليص قطاع غزة من نفوذ التيار الانقلابي داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية وبخاصة في الأجهزة الأمنية التابعة لرئاسة السلطة، طرحت الكثير من التحديات نفسها أمام حماس لكي تتعامل الحركة معها، وهي التحديات التي توزَّعت بين ملفاتٍ داخليةٍ وأخرى خارجية.
وكان السبب الرئيسي في بروز تلك التحديات هو ممارسات التيار الانقلابي والاحتلال الصهيوني؛ حيث تسببت ممارسات ذلك التيار في ترسيخ العديد من الأوضاع السلبية في القطاع، وفي مقدمتها فوضى السلاح والانفلات الأمني والانقسام السياسي الداخلي؛ فيما تسبب الاحتلال- كما هي عادته- في الكثيرِ من الآلام والمعاناة للفلسطينيين تمثَّلت في فرض الحصار الكامل على قطاع غزة بدعمٍ من الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين وهي الممارسات التي تعززت بعدما بدأت السلطة الفلسطينية في تقديم الدعم للصهاينة في محاولةٍ من الانقلابيين لحصار حماس وإخراجها من المشهد السياسي الفلسطيني.
فما تلك التحديات على وجه التحديد؟ وكيف استطاعت حركة حماس التعامل معها؟ وما موقف الانقلابيين والاحتلال والأمريكيين والدول العربية من أسلوب تعامل الحركة مع ذلك الوضع الجديد المليء بالأزمات السياسية والمعيشية والاجتماعية والأمنية؟
التحدي الأمني
عنصر من تنفيذية حماس بغزة ينظم حركة المرور
التحديات التي واجهت حركة حماس كانت على مستويين؛ الأول تحديات داخلية والثاني خارجية، ومن الضروري البدء بالتحركات الداخلية على اعتبار أن ضبط الأوضاع الداخلية يقود على الدوام إلى تحسين الأوضاع الخارجية في كل التجارب الإنسانية لا السياسية فقط، وقد جاء التحدي الأمني كأحد أهم المشكلات التي وقفت أمام حركة حماس في التعامل مع الأوضاع داخل قطاع غزة؛ فقد واجهت الحركة الكثيرَ من المشكلات الأمنية من أهمها فوضى السلاح وظهوره في يد المواطنين بداعٍ وبدون داعٍ؛ وهو الأمر الذي يرجع إلى ميراثٍ من مواريث الانقلابيين الذين كانوا يضعون السلاح في يد العشائر الفلسطينية وبخاصة عائلة دغمش للاستعانة بها في التصدي لحركة حماس؛ مما أوجد أزمة "سلاح العشائر" وأثار الانقسامات الاجتماعية في غزة، فكيف تعاملت حركة حماس مع تلك الأزمة؟

بدأت الحركة بتنظيم أوضاع وزارة الداخلية الفلسطينية، فعملت على ترتيب شئون القوات التابعة لها وبخاصة القوة التنفيذية، وضمَّت إليها عناصر من كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري للحركة، وانضمت أيضًا بعض العناصر من فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى بخاصة من ألوية الناصر صلاح الدين الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية إلى جانب الكثيرِ من المتطوعين من أهالي القطاع، وصدر القرار بنزعِ الأقنعة عن أوجه كل أفراد الأجهزة الأمنية، بل وحتى المواطنين فخلا قطاع غزة من الأقنعة من أجل تحقيق الانضباط في الشارع الفلسطيني، وهو الأمر الذي حرصت عليه الحركة جدًّا فأصدرت قرارًا بأن يقص كل أفراد الأمن شعرهم بصورةٍ واحدةٍ لأعطاء الشكل الانضباطي في صفوفِ قوات الأمن.
وأثمرت تلك الإجراءات المبدئية الكثير؛ حيث شهدت شوارع القطاع الكثير من الأمان الذي كان مفقودًا، وتعددت الضربات الأمنية التي وجهتها القوات التنفيذية لعصابات تهريب السلاح والمخدرات إلى الدرجة التي دفعت بعض أفراد أجهزة الأمن المصرية إلى القول بأن عمليات تهريب السلاح من الأراضي المصرية للكيان انخفضت بصورةٍ كبيرةٍ جدًّا منذ أن سيطرت حماس على القطاع.
ووجَّهت الحركة ضربةً كُبرى لكلِّ عوامل الانفلات الأمني؛ حيث سعت إلى إنهاء "سلاح العشائر" بهدف القضاء على "فوضى السلاح"، فبدأت في جمع السلاح من كلِّ المناطق في القطاع حتى وصل قطار جمع السلاح إلى المربع الأخير والأهم وهو الممثل في مربع عائلة دغمش التي كان الانقلابيون يغضون الطرف عنها