كما سبق أن نشر (إخوان أون لاين) زكَّى حزب العدالة والتنمية التركي وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء عبد الله جول كمرشَّحٍ لمنصب الرئاسة في تركيا في استمرارٍ للمعركة السياسية المحتدمة حاليًا بين طرفي اللعبة السياسية التركية؛ الإصلاحيين والعلمانيين، وهي المعركة التي بدأت قبل بضعةِ أشهرٍ بترشيح جول- أيضًا- لمنصب الرئيس خلفًا للرئيس الحالي المنتهيَّة ولايته أحمد نجدت قيصر، ويبدو أنَّها لن تنتهي عند ذات النقطة، ومن المقرر أنْ يعلن جول اليوم الثلاثاء ترشيحه رسميًّا للمنصب في مؤتمرٍ صحفي.
هذه الخطوة من جانب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان تدفع بالحزب ومشروعه للجمهورية التركية الثانية والعودة إلى الجذور إلى مواجهةٍ جديدةٍ مع العلمانيين أحزابًا وجماعات، ومَن يدعمونهم- كذلك- في المؤسسة العسكرية التركية.
![]() |
|
رجب طيب أردوغان |
وفي الترتيبات السياسية لتمرير الترشيح- حيث لا يملك العدالة والتنمية نسبة الثلثَيْن في البرلمان واللازمة لتمرير ترشيح جول من المرة الأولى- أعلن جول أنَّه بصددِ لقاء زعماء المعارضة التركية لإقناعهم بتمرير الترشيح في البرلمان؛ إلا أنَّ دينيز بايكال رئيس حزب الشعب الجمهوري- المنافس العلماني السياسي الأكبر للعدالة والتنمية داخل وخارج البرلمان- قال إنَّه لن يقابل جول.
ويلزم للعدالة والتنمية الحصول على نسبة أصوات توازي نسبة 30% أخرى بجانب مقاعده من إجمالي مقاعد البرلمان التركي لكي تصبح عملية التصويت على ترشيح جول دستورية من التصويت الأول- الذي سيُجْرى يوم الإثنين المقبل- بغضِّ النَّظرِ عن نتيجة التصويت، والثَّاني الذي سيُجرى بعد أربعة أيام من التصويت الأول على ترشيح جول حال عدم توافُر النصاب، إلا أنَّ التصويت الثالث الذي يجب أنْ يتم بعد ثمانية أيامٍ من التصويت الثَّاني- حال فشله- لا يتطلب توافر نسبة حضور الثلثَيْن هذه للتصويت على ترشيح جول.
ومن هنا يتبيَّن طبيعة المعركة السياسية الصعبة التي يواجهها العدالة والتنمية ومشروعه الإصلاحي بعد ما يزيد على الثمانية عقودٍ من حكم العلمانية في تركيا بعد إطاحة المشروع الكمالي- نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك- بالخلافة العثمانية في البلاد في العام 1924م.
ما بين الفرنسي والأمريكي!!
على إعلان حزب العدالة والتنمية الالتزام بالدستور التركي العلماني الهوية وبقواعد العملية السياسية الموجودة في تركيا، وطرحه من جانبٍ آخر لجذوره الإسلامية في مشروعاته الاجتماعية والثقافية والمحلية بدأت في تركيا نقاشات حول طبيعة "هوية العلمانية" الموجودة في تركيا، وطبيعة نموذجها.
فتركيا العدالة والتنمية تميل إلى أنْ تكون في تجربتها هذه إلى "العلمانية الأمريكية" بعيدًا عن العلمانية الفرنسية المتطرفة التي تعلي من الصدام بين الدولة والدين، فكما يقول الكاتب السوري غازي دحمان في قراءته للوضع في تركيا إنَّ الحل الوحيد للمأزق الراهن في تركيا هو التحوُّل إلى العلمانية الأمريكية التي- كما هي العادة الأمريكية- تحاول أن تُرضي جميع الأطراف بجعل الحريات الدينية أساسًا من أسس العلمانية الديمقراطية التي تفصل الدين عن الدولة، "ولكنها معنية بحماية الدولة من الدين" بحسب تعبير بعض الأدبيات السياسية.
وقد يكون تبنِّي هذا النموذج هو مجرد محاولة للمواءمة السياسية من جانب حزب العدالة والتنمية كبدايةٍ للخروج من البلاد من نفق العلمانية الصرفة الذي أدخل الكماليون البلاد إليها.
ويتضح مدى نجاح أردوغان وزملائه في هذا الإطار من خلال دراسة الخريطة السياسية والتصويتية للقواعد الخاصة بحزب العدالة والتنمية ومؤيديه؛ فالحزب بدأ تاريخيًّا منحدرًا اجتماعيًّا من طبقة التجار في الريف التركي- الوجه الآخر لتركيا
