منذ اغتصابه أرض فلسطين، في العام 1948م، يحاول الكيان الصهيوني بشتى الطرق اختراق السور العربي تمهيدًا لاختراق عوالم أخرى، لم تعترف بوجوده أصلاً، إلا أنَّه وبعد مؤتمر مدريد في أكتوبر من العام 1991م، وبعد اتفاقات أوسلو لم يعد الاعتراف بالكيان موضع نقاش لدى عددٍ من المسئولين العرب، ولكن التوجه الغالب ظل يرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني وتبادل العلاقات الدبلوماسية أو التجارية معه.
إلا أنَّ السياسات الصهيونية نجحت في التمدد داخل الكيانات الاقتصادية للدول العربية، تارةً متخفيةً تحت لافتاتٍ مزيفة، وتارةً أخرى في إطار تكتلات وتجمعات اقتصادية يتم اختراقُها، واستخدامُها كحصان طروادة للدخول إلى الأسواق العربية، وتارةً ثالثة يكون الوجود علانيةً بحججٍ واهية، مثل: استخدام النفوذ الصهيوني لفتح الأسواق العالمية، وخاصةً الأمريكية، أمام المنتجات العربية، على غرار ما حدث في اتفاقيات الكويز مع مصر والأردن.
اختراق العراق
الصهاينة اتخذوا العراق نقطة انطلاق لتوسيع إستراتيجيتهم

وتمثل الساحة العراقية حقلاً خصبًا للاختراق السياسي والأمني والاقتصادي الصهيوني، الذي استغلَّ الاحتلال الأمريكي وتغييب الأجهزة الرقابية، فقام جهاز الموساد الصهيوني بافتتاح عددٍ من المكاتب التابعة له في المدن العراقية الكبرى القريبة من الحدود مع تركيا وسوريا وإيران، مستخدمًا الأراضي العراقية كمحطات رصد، وإنذار للتحركات الإقليمية، ونقطة انطلاق لتوسيع العمق الإستراتيجي للكيان الصهيوني في المنطقة، بما يمكنها من الهيمنة عليها وتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى".
ولم يقتصر الاختراق الصهيوني للعراق على الجانب الأمني والاستخباراتي؛ بل امتد إلى الجوانب الاقتصادية والتجارية، الذي مهدت له أجهزة الاستخبارات الغربية والصهيونية، بالرغم من الرفض العراقي والعربي لمقترحات المسئولين الصهاينة بالمشاركة في إعمار العراق في أعقاب الغزو الأمريكي لهذا البلد العربي المسلم في ربيع العام 2003م.
وقد بدأ الاختراق الصهيوني في الداخل العراقي، بمشاركة عددٍ من المقاولين من الباطن في مناقصات كبرى تتعلق بمشروعات البناء والطاقة والخدمات المختلفة، كما عاد الكثير من اليهود العراقيين الذين يحملون الجنسية الصهيونية إلى بغداد، بدعوى البحث عن منازلهم القديمة من ناحية، وشراء منازل جديدة في العراق من ناحيةٍ أخرى.
وتشير تقارير غربية إلى أنَّ أكثر من 100 ألف عراقي باعوا منازلهم لليهود خلال الأشهر القليلة الماضية، بسبب معاناتهم الشديدة من الفقر، وهو الأمر الذي يهدد بظهور خلايا يهودية في العراق، على غرار ما حدث في فلسطين لتصبح فيما بعد بمثابةِ مغتصباتٍ صهيونيةٍ.
وقدمت تل أبيب التسهيلات والحوافز لمئات الشركات الصهيونية الجنسية للذهاب إلى العراق، ممَّا أدَّى إلى هرولة الكثير منها للاستثمار في مشروعات إعادة إعمار العراق من الباطن، والتي يقدر حجمها بمليارات الدولارات، بالتنسيق مع اتحاد المقاولين الصهيوني.
كما تم فتح أسواق العراق للمنتجات الصهيونية عبر وكلاء أردنيين، وخلال الشهور الثلاثة الأخيرة صدَّر الكيان الصهيوني للعراق من خلال هؤلاء الوكلاء سلعًا قيمتها 100 مليون دولار، عبر الأراضي الأردنية، تضمنت: مشروبات غازية وكحولية، وأغذية معلبة، ومنتجات زراعية.
بوابة الكويز
