بقيت سوريا لفترةٍ طويلةٍ- حتى قبل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري- هدفًا مباشرًا في إطار عسكرة الهيمنة الأمريكية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، وتصاعد استهدافُها أمريكيًّا وصهيونيًّا، ممَّا تجلَّت آثاره في الانسحاب السُّوري من لبنان، وفي قرع طبول الحرب قبل وبعد العدوان الصهيوني على لبنان صيف العام الماضي 2006م، فضلاً عن الضغوط المتواصلة دوليًّا وإقليميًّا على أكثر من صعيد، فهل عادت المياه إلى مجاريها، وأصبح في الإمكان استبعاد شبح الحرب المحتملة، أو الحصار والضغوط المباشرة؟!
هذا على الأقل ما توحي به أو تريد أنْ توحي به المواقف الرسمية والإعلامية السورية، دون أنْ تصل إلى نفيه نفيًا قاطعًا، وإنَّما تريد من خلال ذلك تأكيد صواب المواقف والسياسات السورية السابقة، وأنَّها حققت أهدافها المرحلية على الأقل، ربما بأسلوب طمأنة الذات، إلى درجة القول- على لسان الرئيس السوري بشار الأسد في "خطاب القسم" لفترته الرئاسية الثانية- بأنَّ إعطاء الأولوية لمسألة الأمن على مسألة الإصلاح يمكن أنْ تزول تدريجيًّا، إنْ لم يكن في غضون عام 2007م الجاري ففي العام الذي يليه!!
مصانع التكهنات
في الأوساط الرسمية والإعلامية السورية لا ينقطع الحديث عما يوصف بشعرة معاوية بين دمشق وواشنطن، بينما لا تنقطع المؤشرات في الأوساط الأمريكية والصهيونية عن بقاء سوريا مستهدفةً، سياسيًّا أو عسكريًّا.
في مارس الماضي اجتمع نائب وزير الخارجية السوري فيصل مقداد مع إلين ساوربري- مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية- وأبرز الطرف السوري بعد اللقاء أن واشنطن عادت لجسِّ نبض سوريا بشأن العراق، بعد سنوات من محاولات عزلها، بينما لم تتردد واشنطن في تأكيد استمرار العمل على ما تصفه بعزل سوريا، واقتصار التواصل على ما يحقق مصلحةً أمريكيةً بشأن العراق.
![]() |
|
عماد مصطفى |
في واشنطن أكد السفير السوري عماد مصطفى- خلال ندوة نظَّمها مركز الحوار العربي- أن هناك "تحوُّلاً في موقف الكونجرس الأمريكي إزاء سوريا"، وأضاف "أنَّ من مصلحة سوريا حرمان الأمريكيين من التعلًّل بحجة عدم الاستقرار وتدهور الوضع الأمني؛ لتُطيل أمد الوجود العسكري الأمريكي في العراق؛ لذلك ستتعاون لإعادة الاستقرار والأمن للعراق".
ولكن في الوقت نفسه كانت الناطقة باسم البيت الأبيض الأمريكي دانا بيرينو تصف سوريا بأنَّها "دولة راعية "للإرهاب"، تعرقل حكومة السنيورة اللبنانية، وتسمح لمقاتلين أجانب بالتسلل إلى العراق"، منتقدةً زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي لسوريا آنذاك.
ولم تكن هذه المناورات وسواها قد توقَّفت ما بين تبادل الاتهامات واللقاءات المباشرة في دمشق وشرم الشيخ وواشنطن، عندما ظهرت موجةٌ أخرى من المناورات الكلامية على الجبهة السورية- الصهيونية، من حديث عن محادثات سلامٍ سريةٍ ونفيها، إلى حديث عن حربٍ وشيكةٍ واستبعادها، ومن نقدٍ علنيٍّ لحجم التسلُّح السوري، إلى تسريباتٍ إعلاميةٍ عن زيادة الاستعدادات العسكرية على الجانبَيْن.
إنَّ من يتابع تفاصيل هذه المناورات يغرق فيها، ومن يرصد وتيرة تتابعها صعودًا وهبوطًا يميل إلى القول بأنَّها مقصودة، وإنْ بقي الغرض منها غامضًا حتى الآن، أو بتعبيرٍ أصحٍّ بقي خارج نطاق نصوص التصريحات الرسمية والحملات الإعلامية، وقد يكون الغرض هو إثارة التكهُّنات دون الحصول على جواب قاطع.
اطمئنان مخادع لضعف العدو
تلقَّت السياسات الصهيونية والأمريكية في المنطقة ضرباتٍ موجعةً ما بين الانسحاب من لبنان والحرب الأخيرة ضدَّه، وما بين صمود المقاومة ا
